وذلك أنه يمكن أن يريد بقوله إني كنت من الظالمين ، أي من الجنس الذي
يقع منهم الظلم ، فيكون صدقا ، وإن ورد على سبيل الخضوع والخشوع لأن
جنس البشر لا يمتنع منه وقوع الظلم .
فإن قيل : فأي فايدة في أن يضيف نفسه إلى الجنس الذي يقع منهم
الظلم إذا كان الظلم منتفيا عنه في نفسه ؟ .
قلنا : الفايدة في ذلك التطامن لله تعالى والتخاضع ونفي التكبر
والتجبر ، لأن من كان مجتهدا في رغبة إلى مالك قدير ، فلا بد من أن
يتطأطأ ، ويجتهد في الخضوع بين يديه ، ومن أكبر الخضوع أن يضيف نفسه
إلى القبيل الذي يخطئون ويصيبون كما يقول الانسان ، إذا أراد أن يكسر نفسه
وينفي عنها دواعي الكبر والخيلاء : إنما أنا من البشر ولست من الملائكة ،
وأنا ممن يخطئ ويصيب . وهو لا يريد إضافة الخطأ إلى نفسه في الحال ،
بل يكون الفايدة ما ذكرناها .
ووجه آخر : وهو إنا قد بينا في قصة آدم عليه السلام لما تأولنا قوله
تعالى : ( ربنا ظلمنا أنفسنا ) أن المراد بذلك أنا نقصناها الثواب وبخسناها
حظها منه ، لأن الظلم في أصل اللغة هو النقص والثلم ، ومن ترك المندوب
إليه . وهو لو فعله لاستحق الثواب ، يجوز أن يقال إنه ظلم نفسه من حيث
نقصها ذلك الثواب ، وليس يمتنع أن يكون يونس عليه السلام أراد هذا
المعنى لأنه لا محالة قد ترك كثيرا من المندوب ، فإن استيفاء جميع الندب
يتعذر ، وهذا أولي مما ذكره من جوز الصغائر على الأنبياء عليهم السلام ،
لأنهم يدعون أن خروجه كان بغير إذن من الله تعالى له . فكان قبيحا صغيرا ،
وليس ذلك بواجب على ما ظنوه ، لأن ظاهر القرآن لا يقتضيه . وإنما أوقعهم
في هذه الشبهة قوله ( إني كنت من الظالمين ) . وقد بينا وجه ذلك وأنه ليس
بواجب أن يكون خبرا عن المعصية ، وليس لهم أن يقولوا كيف يسمى من
ترك النفل بأنه ظالم ؟ وذلك أنا قد بينا وجه هذه التسمية في اللغة وإن كان
تنزيه الأنبياء ( ع ) — صفحة 143
مساهمون: الشريف المرتضى
ص١٤٣