لا يصحح أن يقال إن الشرطية بحقيقتها جاءت من قبل الشارع ، بل إضافة الشرطية
إلى الوجوب جاءت من قبله ، وكذا المانعية ، فهذا السنخ من الأمور لا مجال لانتزاعه
عن التكليف والقول بترتبه عليه ، فكم فرق بين الجزئية للواجب وبين الشرطية
والمانعية ، فلا يتوهم إن الشرطية للواجب من الأحكام الوضعية لان الحكم ما كان بحقيقته
مستندا إلى الحاكم ، إما بلا واسطة أو مع الواسطة ، لا ما كان بإضافته مستندا إليه
كالشرطية والمانعية ، وإلا لجاز عد كل ماله إضافة إلى الواجب من المكان والزمان
والسبب والفاعل وغير ذلك من الأحكام الوضعية ، ولم يلتزم به أحد ، وأما شرطية
الشئ للوجوب لا الواجب ، ويعبر عنه بالسببية مثل سببية الدلوك للوجوب ، فهي
تابعة للمسبب من حيث الحقيقة والاعتبارية ، فإن كان المسبب أمرا واقعيا عينيا
فالسببية منتزعة عما فيه خصوصية بها يترتب عليه هذا المسبب ، وأما إن كان أمرا
اعتباريا كالملكية والوجوب على المشهور ، فالسببية تابعة لإناطة الوجوب والملك
بشئ كالدلوك والعقد ، فإن الشارع إذا جعل الحكم فقد يقصد بالانشاء تحقق ذات
الوجوب من دون جعل شئ قيدا له ، فينتزع منه الاطلاق ، وتارة يقصد تحقق
الوجوب المنوط بشئ ، فينحل الجعل الواحد إلى جعل الوجوب وجعل الإناطة ،
فتنتزع السببية من الإناطة الحاصلة من رتبة جعل الوجوب لا عما يتأخر عنه ، فلا
يبقى حينئذ مجال للقول بانتزاعهما عن التكليف ، كما إنه تارة يقصد الملكية بالحيازة
مثلا ، فيقول من حاز ملك ، فتصير الملكية منوطة بالحيازة ، وتارة يقصد الملكية المطلقة
من دون إناطتها بشئ ، نظير عالم التكوين ، فإنه قد يخلق شيئا من دون كونه منضما
إلى شئ ، كخلقة لبنة واحد ، وتارة يخلقه منضما إلى الاخر ، فكذا في عالم التشريع ،
فتارة يجعل الانشاء فقط سببا للملكية فيعبر عنه بالملكية المطلقة ، وتارة يجعله سببا لها
بانضمام شئ آخر ، وهذه الخصوصية تجئ من قبل الانشاء وقصده ، فبجعل واحد
يجعل الوجوب والإناطة ومن هذه الإناطة تنتزع السببية ، فالسببية جاءت من قبل
الإناطة المتحدة مع جعل الوجوب ، فلا تأخر لها عنه ، فما يقال من إن السببية
للوجوب أو الملك كالدلوك والحيازة والعقد مثلا مجعولة شرعا ، فهو في غير محله
إن أريد من ذلك مجعوليتها بالاستقلال ، كالقول بانتزاعيتها عن التكليف ، فالإناطة
تنقيح الأصول ، خلاصة ما استفاده من أبحاث الشيخ ضياء الدين العراقي — صفحة 238
مساهمون: السيد محمد رضا الطباطبائي
ص٢٣٨