إلا أن يعتصموا بالله أي يتبعوا كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم إذ لا سبيل إلى الله إلا ما عينه
وما سوى ذلك فهو سبيل الشيطان .
ولا ينفع الاعتصام المذكور إلا إذا أخلصوا دينهم - وهو الذي فيه الاعتصام -
لله فإن الشرك ظلم لا يعفى عنه ولا يغفر فإذا تابوا إلى الله وأصلحوا كل فاسد منهم
واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله كانوا عند ذلك مؤمنين لا يشوب إيمانهم شرك ، فأمنوا
النفاق واهتدوا قال تعالى : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم
مهتدون " ( الانعام - 82 ) .
ويظهر من سياق الآية أن المراد بالمؤمنين هم المؤمنون محضا المخلصون للايمان ، وقد
عرفهم الله تعالى بأنهم الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله ، وهذه
الصفات تتضمن تفاصيل جميع ما عده الله تعالى في كتابه من صفاتهم ونعوتهم كقوله تعالى
" قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون " ( إلى آخر
الآيات ) ( المؤمنون - 3 ) ، وقوله تعالى " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا
خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما " ( الآيات ) ( الفرقان :
64 ) ، وقوله " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم
حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " ( النساء - 65 ) .
فهذا هو مراد القرآن بالمؤمنين إذا أطلق اللفظ إطلاقا من غير قرينة تدل على خلافه .
وقد قال تعالى : " فأولئك مع المؤمنين " ولم يقل : فأولئك من المؤمنين لأنهم
بتحقق هذه الأوصاف فيهم أول تحققها يلحقون بهم ، ولن يكونوا منهم حتى تستمر فيهم
الأوصاف على استقرارها ، فافهم ذلك .
قوله تعالى : " ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم " ظاهره أنه خطاب
للمؤمنين ، لان الكلام جار على خطابهم وإنما يخاطبون بهذا الخطاب مع الغض عن إيمانهم
وفرضهم كالعاري عنه على ما هو شأن مثل هذا الخطاب .
وهو كناية عن عدم حاجته تعالى إلى عذابهم وأنهم لو لم يستوجبوا العذاب بتركهم
الشكر والايمان لم يكن من قبله تعالى ما يوجب عذابهم ، لأنه لا ينتفع بعذابهم حتى يؤثره ،
ولا يستضر بوجودهم حتى يدفعه عن نفسه بعذابهم ، فالمعنى : لا موجب لعذابكم إن شكرتم
تفسير الميزان — صفحة 119
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١١٩