تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
إلا أن يعتصموا بالله أي يتبعوا كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم إذ لا سبيل إلى الله إلا ما عينه وما سوى ذلك فهو سبيل الشيطان . ولا ينفع الاعتصام المذكور إلا إذا أخلصوا دينهم - وهو الذي فيه الاعتصام - لله فإن الشرك ظلم لا يعفى عنه ولا يغفر فإذا تابوا إلى الله وأصلحوا كل فاسد منهم واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله كانوا عند ذلك مؤمنين لا يشوب إيمانهم شرك ، فأمنوا النفاق واهتدوا قال تعالى : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون " ( الانعام - 82 ) . ويظهر من سياق الآية أن المراد بالمؤمنين هم المؤمنون محضا المخلصون للايمان ، وقد عرفهم الله تعالى بأنهم الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله ، وهذه الصفات تتضمن تفاصيل جميع ما عده الله تعالى في كتابه من صفاتهم ونعوتهم كقوله تعالى " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون " ( إلى آخر الآيات ) ( المؤمنون - 3 ) ، وقوله تعالى " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما " ( الآيات ) ( الفرقان : 64 ) ، وقوله " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " ( النساء - 65 ) . فهذا هو مراد القرآن بالمؤمنين إذا أطلق اللفظ إطلاقا من غير قرينة تدل على خلافه . وقد قال تعالى : " فأولئك مع المؤمنين " ولم يقل : فأولئك من المؤمنين لأنهم بتحقق هذه الأوصاف فيهم أول تحققها يلحقون بهم ، ولن يكونوا منهم حتى تستمر فيهم الأوصاف على استقرارها ، فافهم ذلك . قوله تعالى : " ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم " ظاهره أنه خطاب للمؤمنين ، لان الكلام جار على خطابهم وإنما يخاطبون بهذا الخطاب مع الغض عن إيمانهم وفرضهم كالعاري عنه على ما هو شأن مثل هذا الخطاب . وهو كناية عن عدم حاجته تعالى إلى عذابهم وأنهم لو لم يستوجبوا العذاب بتركهم الشكر والايمان لم يكن من قبله تعالى ما يوجب عذابهم ، لأنه لا ينتفع بعذابهم حتى يؤثره ، ولا يستضر بوجودهم حتى يدفعه عن نفسه بعذابهم ، فالمعنى : لا موجب لعذابكم إن شكرتم