تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
والآية - كما ترى - تنهى المؤمنين عن الاتصال بولاية الكفار وترك ولاية المؤمنين ، ثم الآية الثانية تعلل ذلك بالوعيد الشديد المتوجه إلى المنافقين ، وليس الا ان الله سبحانه يعد هذا الصنيع نفاقا يحذر المؤمنين من الوقوع فيه . والسياق يدل على أن قوله " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا " كالنتيجة المستنتجة مما تقدم أو الفرع المتفرع عليه ، وهذا كالصريح في أن الآيات السابقة انما تتعرض لحال مرضى القلوب وضعفاء الايمان من المؤمنين ويسميهم المنافقين ، ولا أقل من شمولها لهم ، ثم يعظ المؤمنين ان لا يقربوا هذا الحمى ولا يتعرضوا لسخط الله ، ولا يجعلوا الله تعالى على أنفسهم حجة واضحة فيضلهم ويخدعهم ويذبذبهم في الحياة الدنيا ، ثم يجمع بينهم وبين الكافرين في جهنم ، جميعا ثم يسكنهم في أسفل درك من النار ، ويقطع بينهم وبين كل نصير ينصرهم ، وشفيع يشفع لهم . ويظهر من الآيتين أولا : ان الاضلال والخدعة وكل سخط الهى من هذا القبيل إنما عن حجة واضحة تعطيها أعمال العباد ، فهي إخزاء على طريق المقابلة والمجازاة ، وحاشا الجناب الإلهي أن يبدءهم بالشر والشقوة من غير تقدم ما يوجب ذلك من قبلهم ، فقوله " أتريدون ان تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا " ؟ يجرى مجرى قوله " وما يضل به إلا الفاسقين " ( البقرة - 26 ) . وثانيا : أن في النار لأهلها مراتب تختلف في السفالة ، ولا محالة يشتد بحسبها عذابهم يسميها الله تعالى بالدركات . قوله تعالى : " إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله " استثناء من الوعيد الذي ذكر في المنافقين بقوله : " إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار " ( الآية ) ولازم ذلك خروجهم من جماعة المنافقين ، ولحوقهم بصف المؤمنين ، ولذلك ذيل الاستثناء بذكر كونهم مع المؤمنين ، وذكر ثواب المؤمنين جميعا فقال تعالى : " فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤتى الله المؤمنين أجرا عظيما . وقد وصف الله هؤلاء الذين استثناهم من المنافقين بأوصاف عديدة ثقيلة ، وليست تنبت أصول النفاق وأعراقه إلا بها فذكر التوبة وهى الرجوع إلى الله تعالى ، ولا ينفع الرجوع والتوب وحده حتى يصلحوا كل ما فسد منهم من نفس وعمل ، ولا ينفع الاصلاح
تفسير الميزان — صفحة 118 | السيد محمدحسين الطباطبائي