تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
قوله تعالى : " ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله " ، تأكيد في دعوتهم إلى مراعاة صفة التقوى في جميع مراحل المعاشرة الزوجية ، وفي كل حال ، وأن في تركه كفرا بنعمة الله بناء على أن التقوى الذي يحصل بطاعة الله ليس إلا شكرا لأنعمه ، أو أن ترك تقوى الله تعالى لا منشأ له إلا الكفر إما كفر ظاهر كما في الكفار والمشركين ، أو كفر مستكن مستبطن كما في الفساق من المؤمنين . وبهذا الذي بيناه يظهر معنى قوله " وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض " أي إن لم تحفظوا ما وصينا به إياكم والذين من قبلكم وأضعتم هذه الوصية ولم تتقوا وهو كفر بالله ، أو عن كفر بالله فإن ذلك لا يضر الله سبحانه إذ لا حاجة له إليكم وإلى تقواكم ، وله ما في السماوات والأرض ، وكان الله غنيا حميدا . فإن قلت : ما وجه تكرار قوله " لله ما في السماوات وما في الأرض " ؟ فقد أورد ثلاث مرات . قلت : أما الأول فإنه تعليل لقوله " وكان الله واسعا حكيما " ، وأما الثاني فإنه واقع موقع جواب الشرط في قوله " فإن تكفروا " والتقدير : وإن تكفروا فإنه غنى عنكم ، وتعليل للجواب وقد ظهر في قوله " وكان الله غنيا حميدا " . وأما الثالث فإنه استيناف وتعليل بوجه لقوله " إن يشأ " . قوله تعالى " : ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا " قد مر بيان معنى ملكه تعالى مكررا ، وهو تعالى وكيل يقوم بأمور عباده وشؤونهم وكفى به وكيلا لا يحتاج فيه إلى اعتضاد واسعاد ، فلو لم يرتض أعمال قوم وأسخطه جريان الامر بأيديهم أمكنه أن يذهب بهم ويأتي بآخرين ، أو يؤخرهم ويقدم آخرين ، وبهذا المعنى الذي يؤيده بل يدل عليه السياق يرتبط بما في هذه الآية قوله في الآية التالية " ان يشأ يذهبكم أيها الناس " . قوله تعالى : " ان يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين " ، السياق وهو الدعوة إلى ملازمة التقوى الذي أوصى الله به هذه الأمة ومن قبلهم من أهل الكتاب يدل على أن اظهار الاستغناء وعدم الحاجة المدلول عليه بقوله " إن يشأ " ، إنما هو في أمر التقوى . والمعنى أن الله وصاكم جميعا بملازمة التقوى فاتقوه ، وان كفرتم فإنه غنى عنكم ،