والتعبير بالعود : إشارة إلى أنّ الخلق الثانوىّ عين الأوّل ذاتا وروحا ، وهو غيره ظاهرا وفي الخصوصيّات القالبيّة البدنيّة .
وهذه الإعادة جارية في عالم النبات أيضا ، حيث ييبس شجر ويفنى بدنه ثمّ ينمو وينبت من حبّته شجر آخر متماثلا بالأوّل . وقريبا من هذا الجريان والتبادل والإعادة : يجرى في عالم الحيوان أيضا .
وأمّا الإنسان : فالأصل فيه هو الروح ، وهو بعينه باق في الخلق الثانوىّ والتبدّل انّما يتحقّق في اللباس والقالب البدنىّ .
نعم إنّ بدن الإنسان كاللباس الحافظ الساتر ، وهو في التبدّل دائما ولا يزال يتبدّل أجزاؤه ويضعف إلى أن يموت ويفنى .
ولمّا كان الروح باقيا ثابتا وهو من وراء عالم المادّة : فيبقى قهرا ما يرسخ فيه من آثار الأعمال والأفكار ، ومن خواصّ الصفات النفسانيّة .
كما أنّ تلك الخصوصيّات والآثار الذاتيّة في النباتات والحيوان تنتقل إلى أخلافها بواسطة الحبّة والنطفة ، وهذا هو التوارث .
والفرق بين الإنسان وغيره : هو وجود الروح في الإنسان وبتبعه يوجد العقل والتدبير ، وبهذا يثاب ويعاقب .
فالإنسان يرى آثار عمله وصفاته على سبيل القهر والطبع والاضطرار ، كما في النبات والحيوان أيضا . وعلى سبيل العقل والتدبير والاختيار ، وهذا من امتيازاته ومختصّاته - ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره .
* ( وَلَه ُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَه ُ قانِتُونَ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه ُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه ِ ) * - 30 / 27 .
* ( أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ ا للهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه ُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى ا للهِ يَسِيرٌ ) * - 29 / 19 .
* ( قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه ُ قُلِ ا للهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه ُ ) * - 10 / 34 .
هذه الآيات الكريمة عامّة بجميع الخلق جمادا ونباتا وحيوانا وإنسانا ، فالخلق دائما في لبس جديد وفي إعادة لما كان من الإبداء ، والإعادة أيسر عليه وأهون
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 253
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٥٣