فالتكذيب بكلّ من هذه المراتب والمظاهر : يوجب محجوبيّة عن النور المطلق ويوجد ظلمة وكدورة ، وهذا هو أشدّ نوع من تضييع الحقّ :
* ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّه ِ فَأَعْرَضَ عَنْها ) * - 18 / 57 . * ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ ا للهِ وَصَدَفَ عَنْها ) * - 6 / 157 . * ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ ) * - 2 / 257 فالنور والظلمة كالنقيضين ، وكلَّما اشتدّ النور وتلألأ : ضعف الظلمة . وأىّ مقدار يكون النور ضعيفا ازداد مقدار الظلمة ، فالنور والظلمة في وجود كلّ انسان في اضطراب ونوسان :
* ( كِتابٌ أَنْزَلْناه ُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) * - 14 / 1 فإنّ كلّ حركة وكلمة وعمل وتفكَّر وتوجّه خيرا أو شرّا : يؤثّر في قلب الإنسان في رابطة ارتباطه بعالم النور أو الظلمة ، ويوجد نقطة نورانيّة أو ظلمانيّة في الباطن :
* ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ُ ) * - 99 / 7 فظهر ممّا قلناه أنّ الأصل في عالم الوجود هو النور البحت المجرّد غير المتناهي الَّذى لا حدّ له بوجه ، ثمّ إنّه بعروض الحدّ في مقام الخلق والتكوين يتحصّل الحجاب والظلمة ، فكلَّما ازداد الحدّ ( حدّا ذاتيّا أو زمانيّا أو مكانيّا أو جسمانيا أو مادّيا ) يزداد المحدوديّة والمحجوبيّة ، ويضعف النور ، وهذا معنى ظهور الظلمة .
فالظلمة انّما تتحصّل بحصول الحدّ ، وتشتدّ بازدياده ، إلى أن تنتهي إلى محدوديّة في جميع الجهات :
* ( يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ) * - 39 / 6 . * ( وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الأَرْضِ ) * - 6 / 59 ومع ذلك فلا ينقطع أثر النور عن وجود ، فانّ الوجود هو النور ، والظلمة عبارة عن ضعفه ومحدوديته :
وأمّا قوله تعالى :
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 176
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٧٦