سبقت من ربّك أي نفذت وتقدّمت ، ويستعار السبق لإحراز الفضل والتبريز ، وعلى ذلك السابقون السابقون أي المتقدّمون إلى ثواب اللَّه وجنّته بالأعمال الصالحة . وقوله . * ( وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) * أي لا يفوتوننا ، * ( وَما كانُوا سابِقِينَ ) * - تنبيه أنّهم لا يفوتونه .
والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو ما يقابل اللحوق ، أي تقدّم في المسير إلى منظور معيّن ، في حركة أو عمل أو فكر أو علم .
والفرق بين هذه المادّة وموادّ التقدّم والمضيّ والمرور :
أنّ النظر في التقدّم : إلى جهة كون الشيء متقدّما بالنسبة إلى شيء متأخر ، سواء قصد ذلك أو لم يقصد ، في زمان أو مكان ، وهو خلاف التأخّر .
والنظر في المرور : إلى العبور والوصول إلى نقطة مقصودة ، سواء تجاوز عنها أم لا .
والنظر في المضيّ : إلى تحقّق أمر أو تجاوز جريان عن الحال إلى ما تقدّم ، ولا توجّه فيه إلى أمر متأخّر أو لاحق ، وهو في مقابل الاستقبال والانتظار .
* ( وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ) * ، * ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى ) * ، * ( ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ ) * ، * ( لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْه ِ ) * ، * ( ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ) * ، * ( لا يَسْبِقُونَه ُ بِالْقَوْلِ ) * ، * ( سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ ) * .
والمعنى في جميع هذه الموارد هو التحرك في برنامج بحيث يكون متقدّما وفي الصفّ الأوّل ويلحق به الآخرون .
* ( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالأَنْصارِ ) * ، * ( أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ ) * ، * ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) * ، * ( وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ ا للهِ ) * .
والمعنى ظاهر ، وهو التقدّم في المسير .
ثمّ إنّ الاستباق من اللَّه تعالى : هو الفضل واللطف والرحمة والإحسان ، وأمّا العدل والحساب والجزاء المتعادل : فانّما هي في المرتبة اللاحقة .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 41
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٤١