كذلك يساق الكافر إلى جهنّم ، ويساق المؤمن إلى الجنّة ، حفظا للنظم وإجراء للعدل وإعطاء لما تقتضيه الطبائع وتطلبه النفوس من لوازم الضلال والهداية - . * ( أَيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ) * ، * ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ُ ) * .
* ( وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ ) * - 50 / 21 .
* ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ) * - 68 / 42 .
وهذان الأمران لإتمام الحجّة عليهم ، فانّ كلّ سائق معه شاهد يشهد بالعلم الشهوديّ الحضوريّ على ما في ظاهره وباطنه ، ويرى ما في حاله ومضيّه .
مضافا إلى هذا الشاهد : فيدعى إلى السجود لله تعالى ، ولا تستطيع نفسه ولا تتمكَّن في العمل بهذا الأمر ، فانّه من المستكبرين الغافلين .
فتتّم الحجّة بذلك من نفسه عليه .
وأمّا كشف الساق : فيراد كشف الحجب والأستار عن حقيقة الساق .
وأمّا الساق : فهو ما به الانسياق والسير من عضو القدم ، ظاهريّا أو معنويّا وهو ما به يتحقّق السير إلى هداية أو ضلالة . وهذا المفهوم يدلّ عليه حرف الألف المبدل من الواو للتخفيف ، فيدلّ الساق على ظهور السوق وما به يتحقّق .
فيشاهد باطن انسياقه وحقيقة ساقه الذي كان مظهر الانسياق والسير ، ويعرف مسيره ويتعيّن مسلكه المخالف للسجود والعبوديّة .
* ( وَظَنَّ أَنَّه ُ الْفِراقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ) * - 75 / 30 .
قلنا أنّ الساق ما به يساق ، وينساق السائر ، وهو في السلوك إلى الدنيا من جهة المعنى هو الحبّ للدنيا والعلاقة لحياتها ، والى الآخرة هو الشوق والحبّ للحياة الآخرة ، وهذان الشوقان هما قدما السلوك ووسيلتا السعادة والشقاوة - حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة .
فالمحتضر لمّا يظنّ ويدرك آثار الفراق من الحياة الدنيا ، ويدرك أيضا آثارا من عالم الآخرة وبعد الموت : فتلتفّ حينئذ الساقان ويتنازع الشوقان وتتداخل العلاقتان ، ولكنّ المساق إلى الله والى جانبه قهرا .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 272
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٧٢