جملات : فيقتضى حكمته وإتقانه أن يختار ما هو الحقيقة ويستعمل ما هو أدلّ على المراد ، فيعرّف المنظور على ما هو عليه من الخصوصيّات والدقائق واللطائف .
فانّ التسامح وعدم الدقّة في استعمال الكلمة في موضعه ومورده الحقّ ومقامه الصحيح : يوجب محو ما فيه من اللطف والخصوصيّة الفارقة ، فينحرف الحقّ عن مقامه ، ويختلط الحق بالباطل ، ويشتبه المراد على العبيد ، ويوجب الضلال والخسران والغواية .
ففي هذه الصورة : لا يزيد القرآن إلَّا مزيد ريب وضلال ، ولا ينتج إلَّا توارد الاشكال والاعتراض ، فيستدلّ كلّ قوم على ما يريده بتأويله ، ويتمسّك كلّ فرقة باطلة على طبق رأيه بتفسيره ، وليس هذا إلَّا إغراء بالجهل . ولا يثمر إلَّا إسقاط القرآن عن الإحكام والحجّيّة .
فظهر أنّ كلّ كلمة في القرآن الكريم : إنّما استعملت في معناها الحقيقيّ ، ويراد منها هو المدلول الحقّ الأصيل ليس إلَّا .
الخامس - وبهذا تنكشف حقيقة إعجاز القرآن المجيد
: فانّ استعمال الألفاظ على هذا النحو خارج عن عهدة البشر وقدرته ، لعدم إمكان إحاطته وحضوره وعلمه بالجزئيّات علما حضوريّا وإحاطة فعليّة ، حتّى يأتي بكلّ كلمة في موردها ويستعمل كلّ جملة في مقامها الحقيقيّ ، من دون تجوّز - راجع قرأ ، سور .
هذا من جهة الألفاظ ، وكذلك في بيان الحقائق والمعارف الإلهيّة ، وتبيين ما يرتبط بالأخلاقيّات وتهذيب النفس ، وفي جعل الأحكام والتكاليف المتعلَّقة بالوظائف والأعمال البدنيّة .
فهو تعالى محيط وعالم وحكيم ومدبّر بالإحاطة الحضوريّة الفعليّة بجميع أرقام الكلمات وبكلّ المعاني والمعارف والحقائق ، فيضع كلّ كلمة في موردها الَّذي اقتضته ، ولا يصحّ تبديلها وتغييرها عنه ، وهكذا في المعاني .
والى هذه الحقيقة يرجع كلّ ما ذكروه في موضوع إعجاز القرآن .