إليه . ورابعها أن تلك الانقسامات بالقوة وهي غير متناهية وهو مذهب المحقّقين من الحكماء . وإيضاح هذا المذهب ، هو أن الجسم البسيط كماء واحد مثلا هو واحد في الحقيقة كما هو عند الحسس إلا أنه قابل للانقسام بالقوّة إلى غير النهاية لا بمعنى أنه تحصل أجزاء غير متناهية بالفعل ؛ فان ذلك محال كما سيأتي بل بمعنى أنه لا يرد عليه فصل إلا ويمكن أن يرد عليه فصل آخر ، وكل ما يحصل بالفعل فانّه يكون متناهيا محصورا ، وافهم هذا المعنى منهم كما تفهمه من قولنا الباري قادر على إيجاد أشياء غير متناهية إذ ليس معناه أنه يوجد عددا غير متناه بلى معناه أنه لا يصل إلى إيجاد شئ إلا ويمكنه أن يوجد بعده أشياء آخر مع أن كل ما يحصل فإنه يكون متناهيا أبدا فكذا الجسم البسيط عندهم قابل للانقسام إلى غير النهاية بمعنى أنه لا يرد عليه فصل إلا ويمكن بعده ورود فصل آخر عليه ، مع أن كل ما يحصل يكون أبدا متناهيا وعددا ومقدارا ، وهذا هو الأصل الذي يبنى عليه إثبات كون الجسم مركبا من الهيولى والصورة ، فلنذكر ما يدل على تصحيح هذا الرأي فنقول : لا يجوز أن ينتهى الجسم في القسمة إلى أجزاء لا تقبل القسمة أصلا لا بالفعل ولا بالقوة ويدل عليه وجوه :
أحدها : لو انتهت القسمة إلى أجزاء هذه صفتها فلا يخلو إما أن لا يمكن أن تتلاقى أو يمكن فإن لم يمكن لم يكن الجسم حاصلا من تأليفها وإن أمكن فلنفرض ثلاثة أجزاء متلاقية فاما أن يكون الجزء الأوسط حاجبا للطرفين عن التلافي أو لا يكون ، فإن كان حاجبا كان ما يلاقى منه أحد الطّرفين غير ما يلاقى الطرف الآخر ، فيكون منقسما ، وإن لم يحجب كان كلّ واحد من الطّرفين ملاقيا للوسط بالكلّية ، إذ لو لم يكن بالكلية لكان منقسما ، وإذا كان كذلك فلا يزيد الثلاثة على حجم الواحد منها ، فلا يكون التركيب من مثل هذه الأجزاء مفيدا للحجمية حاصلة من تركيبها وقد وضعناه كذلك ، وهذا خلف .
الثاني : أن الصّفحة المركبة منها إذا استنارت باشراق الشّمس عليها كان الوجه المستنير مغايرا لما لا يكون كذلك فانقسمت .
الثالث : الجسم قد يكون ظلّه مثليّة فيكون مثله من الظّل ظلّ نصف الجسم فإذا
المقدمات الخمس والعشرون في إثبات وجود الله ووحدانيته وتنزيهه من أن يكون جسما أو قوة في جسم من كتاب دلالة الحائرين لابن ميمون ( شرح بيست وپنج مقدمه در اثبات بارى تعالى از كتاب دلالة الحائرين ابن ميمون ) — صفحة المقدمة 56
مساهمون: أبي عبد الله محمد التبريزي
صالمقدمة ٥٦