الغير ، هو من كان ذا قوة وملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي من مداركها
وان لم يستنبط فرعا من الفروع فلو زاول الرجل مقدمات الاجتهاد ، ومارسها ممارسة
أكيدة ، بحيث حصل من تلك المزاولة قوة الاجتهاد ، ونال المرتبة القدسية ، وان لم
يستنبط فرعا واحدا ولم يرجع إلى مسألة واحدة بحيث يصدق في حقه فعلا انه جاهل
بالأحكام ، يحرم عليه تقليد الغير ، فيجب عليه استفراغ الوسع والبال لتحصيل الحكم
الشرعي لان الدليل على جواز رجوع الجاهل إلى الغير ، ليس الا بناء العقلاء ، وما ورد
في الكتاب والسنة من التحريص إلى الرجوع ليس الا ارشادا إلى الفطرة المرتكزة
وهو دليل لبى لا اطلاق له حتى يتمسك باطلاقه ، خصوصا إذا علم أن مؤدي الامارات
والأصول عنده قد يكون مخالفا لرأى من يريد ان يرجع إليه بحيث لو استفرغ الوسع لوقف
على خطأه في الاجتهاد ، فلا يعذره العقلاء لو رجع وبان خطأه والحال هذه .
وان شئت قلت : ان المتيقن أو ما هو الظاهر من بناء العقلاء هو الجاهل الذي لا يتمكن
فعلا من تحصيل الأحكام الواقعية من طرقه المألوفة ، فعليه ان يرجع إلى المتمكن
واما القادر على تحصيلها من طرقها ، بحيث لا حاجز بينه وبينها ، الا مراجعة الامارات
والأصول ، المجتمعة في الكتاب والسنة فخارج عنه بل يجب عليه بذل الجهد ، في
تحصيل ما هو ضالته ، وما يدور عليه وظايفه .
والحاصل : انه لو باشر وقام على تحصيل الأحكام الشرعية بنفسه فهو
مأمون من العتاب والعقاب ، أصاب أو أخطأ ، لكونه خبيرا فيما باشره ، والخبير قد
يصيب وقد لا يصيب ، واما إذا رجع إلى الغير ، فلو كان الغير خاطئا في اجتهاده ، فلا يعذر
في مراجعته لأنه من المحتمل جدا عدم خطائه فيما لو باشره بنفسه .
فان قلت : جرت سيرة العقلاء من أصحاب الصنائع وغيرهم على خلاف ذلك ،
فربما يدفعون كلفة التدبر والتشخيص في أمر إلى ذمة الغير ، مع كون الدافع قادرا على
القيام به بنفسه قلت : قياس التكاليف الإلهية بما جرت السيرة عليه بين الصناعين
قياس مع الفارق فان رجوعهم إلى الغير لأجل تقديم بعض الغايات على بعض ، كتقديم
الاستراحة والعيش ، على التعب والوصب أو من باب الاحتياط والوقوف على نظر الغير ،
تهذيب الأصول تقرير أبحاث السيد روح اللَّه موسوى الخميني ( دار الفكر ) — صفحة 137
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٣٧