المقام الثالث
حول حدود حكم الصيام المفروض
لما كانت النفوس تسعى بطبعها نحو الاستقلالية ، وترفض القيود
تجدها تبحث عما يخفف عنها وطأة العبودية من مقيد زماني أو مكاني
أو أفرادي أو حالي للحكم الصادر من المولى . والصوم من المسائل
التي تحد من حرية الشهوات الحيوانية التي تجري مجرى دم الانسان
وتمتلك عليه عقله ، ولهذا كان من الطبيعي أن يفتش المكلف عن مقيد
لهذا الحكم . والخطاب وإن جاء عاما لجميع المؤمنين في بداية الآية
دالا على مطلوبية الصوم وفضله حتى من غير البالغين ( 1 ) ولكنه قيد
فعلية الحكم بعدم السفر والمرض في استثناء متصل بقوله : ( ومن كان
مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) ( 2 ) ، وأردف ذلك بكلام مستهل
هامش
( 1 ) فإن غير البالغ إن كان مميزا يشمله الخطاب القرآني ( يا أيها الذين آمنوا )
ونحوه وإنما قامت الأدلة على رفع اللزوم عنه ، وأما أصل التشريع فهو ثابت
في حقه ، ولا مانع من تحقق الايمان من الصبي المميز غير البالغ بل هو
واقع . وبهذا يمكن تصحيح شرعية عبادة الصبي ، وهو تحقيق اعتمده السيد
الأستاذ فيما يرتبط بهذه المسألة المهمة التي أثارها أعداء أمير المؤمنين
والحسن والحسين ( عليهم السلام ) .
( 2 ) سورة البقرة : 185 .