فإذا كان " كتاب الله " قد تميز بالحجية الذاتية ، وثبوته بالتواتر وكونه خالدا
إلى يوم القيامة ، وكونه معصوما ، فلا بد أن تتميز " السنة " بنفس المزايا : فتكون
حجيتها ذاتية ، كما قلنا ، وخالدة إلى يوم القيامة ، ومعصومة ، ولا بد أن يكون طريق
ثبوتها العلم ، لا الظنون .
ومع ذلك ، فإن صدق " السنة " على حكم شرعي ، لا بد أن تكون فيه صفة
الدوام واستقرار العادة واتباع الجماعة ، كما أوضحنا في معنى السنة لغويا ، فلا
يصدق إلا على ما كان له نحو ثبوت واستقرار جازم ، لا ما يعتريه الشك والترديد
والجرح والإبطال ، والمعارضة والمخالفة ، ولذلك قيد بعضهم السنة بكونها " ماضية "
بمعنى جارية ومعمول بها .
ولعل مجمل ما ذكرنا أمر يتفق عليه المسلمون كافة ، ولم يخالف في أصله أحد
منهم .
إلا أنه وقع الخلاف بينهم في مصداقية " السنة " ؟ وأنها من أين تؤخذ ؟ وما هو
المصدر العلمي الموثوق الذي يحكيها ويثبتها ؟
وقد استغل هذا الخلاف بعض من أراد القدح في الشريعة من طرف خفي ،
فأعلن التشكيك في مجموع السنة ، وشكك في تشريعات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحجيتها ،
محتجا بكونه " بشرا " تارة ، وبأنه " يهجر " أخرى ، حتى أصبح هذا الرأي شعارا
لأهله رفعوه بعنوان " حسبنا كتاب الله " ، رفعه في عهد الرسول جماعة من معارضي
السنة ، وتبعه على مر الزمان جماعة ، ومنهم في عصرنا من كتب " الإسلام هو القرآن
وحده " وأصبح حركة سياسية يتبعها " القرآنيون " ( 1 ) .
هامش
( 1 ) لا لاحظ
عن هذه الشعارات وهذه الأفكار : كتابنا تدوين السنة الشريفة ( ص 79 و 81 و 125 و 360
و 359 - 363 و 425 - 428 و 434 و 406 .
ودراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه ( ص 21 - 41 ) ، وحجية السنة لعبد الخالق ( ص 246 - 277 ) .