من السكينة ، لانهزامهما وفرارهما وخيبتهما من الفتح القريب ، لكونه على يد غيرهما ، وخرج من سمّيت من أتباعهما منه ، إذ لا فتح لهم ولا بهم على ما ذكرناه وانكشف عن الرجلين خاصّة ، بدليل
قول رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : " ويحبّه اللَّه ورسوله "
ما كان مستورا ، لاستحقاقهما في الظاهر ضدّ ذلك من الوصف ، كما استحقّا اسم الفرّار دون الكرّار .
ولولا أنّ الأمر كما وصفناه ، لبطل معنى كلام النبي صلَّى اللَّه عليه وآله ، ولم يكن له فائدة ، وفسد تخصيصه عليّا عليه السّلام بما ضمنه من الثناء على ما شرحناه .
وممّا يؤيّد ذلك ويزيده بيانا قول اللَّه عزّ وجلّ : ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّه مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّه مَسْؤُلًا ( 1 ) .
فدلّ على أنّه تعالى يسأل المولَّين يوم القيامة عن العهد ، ويعاقبهم بنقض العهد ، وليس يصحّ اجتماع الرضا والمسألة والعقاب لشخص واحد ، فدلّ ذلك على خصوص الرضا ، ووجب إلحاقه في الحكم بمن لا يتوجّه إليه السؤال ، وإذا وجب ذلك بطل تعلَّق الخصم في الآية بالعموم ، وسقط اعتماده على البيعة في الجملة .
وعلى كلّ حال ، هذا إن لم يكن في الآية نفسها وفيما تلوناه بعدها دليل على خروج القوم من الرضا ، وكان الأمر ملتبسا ، فكيف وفيها أوضح برهان بما رتّبناه ؟ ! وممّا يدلّ على خصوص الآية أيضا قوله تعالى : ومَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَه إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّه ومَأْواه جَهَنَّمُ وبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 2 ) .
فتوعّد على الفرار بالغضب والنار ، كما وعد على الوفاء بالرضا والنعيم ، فلو كانت آية الرضا في المبايعين على العموم وعدم الشرط لبطل الوعيد ، وخرجت الآية النازلة عن الحكمة ، ولم يحصل لها فائدة ولا مفهوم ، وذلك فاسد بلا ارتياب .
وممّا يدلّ على ذلك أيضا قوله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّه عَلَيْه فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَه ومِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ( 3 ) .
هامش
( 1 ) الأحزاب : 15 .
( 2 ) الأنفال : 16 .
( 3 ) الأحزاب : 23 .