تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن المجيد — صفحة 494

مساهمون:

ص٤٩٤
ما تواترت به الآثار ، وعلمه كافّة من سمع الأخبار ، فبان بما وصفناه أنّنا مع التسليم للخصوم بما ادّعوه في معنى الآية ، وباعتبارهم الذي اعتمدوه ، أولى بالحجّة منهم في صرف تأويلها إلى إمامة أمير المؤمنين عليه السّلام ، دون من سمّوه على ما قدّمناه . ولو تكافأ القولان ، ولم يكن لأحدهما رجحان على صاحبه في البرهان ، لكانت المكافأة مسقطه ، لما حكموا به من تخصيص أبي بكر وعمر ، بدلالة الآية على الترتيب الذي أصّلوا الكلام عليه في الاستدلال ، وهذا ظاهر جليّ وللَّه الحمد .

فصل

قد كان بعض متكلَّمي المعتزلة رام الطعن في هذا الكلام ، بأن قال : قد ثبت أنّ القوم الذين فرض اللَّه تعالى قتالهم بدعوة من أخبر عنه ، كفّار خارجون عن ملَّة الإسلام ، بدلالة قوله تعالى : * ( تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ) * . وأهل البصرة والشام والنهروان فيما زعم لم يكونوا كفّارا ، بل كانوا من أهل ملَّة الإسلام إلَّا أنّهم فسقوا عن الدين ، وبغوا على الإمام ، فقاتلهم بقوله تعالى : وإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّه ( 1 ) . وأكّد ذلك عند نفسه بسيرة أمير المؤمنين عليه السّلام فيهم ، وبخبر رواه عنه عليه السّلام ، أنّه سئل عنهم ، فقال : " إخواننا بغوا علينا " ( 2 ) ، ولم يخرجهم عن حكم أهل الإسلام . قال : فثبت بذلك أنّ الداعي إلى قتال من سمّاه اللَّه تعالى ووصفه بالبأس الشديد إنّما هو أبو بكر وعمر دون أمير المؤمنين عليه السّلام .

فصل

فقلت له : ما أبين غفلتك ، وأشدّ عماك ! أنسيت قول أصحابك في المنزلة بين المنزلتين ، وإجماعهم على أنّ من استحقّ التسمية بالفسق ، خارج بما به استحقّ ذلك عن الإيمان والإسلام ، غير سائغ تسميته بأحد هذين الاسمين في الدين على التقييد
هامش
( 1 ) الحجرات : 9 . ( 2 ) قرب الإسناد : 45 سنن البيهقي 8 : 182 حياة الصحابة 2 : 496 .