تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن المجيد — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
وثانيها : وصف المشار إليه في الآية باللين على المؤمنين والشدّة على الكافرين ، حيث يقول جلّ اسمه : * ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ) * . وهذا وصف لا يمكن أحدا دفع أمير المؤمنين عليه السّلام عن استحقاقه بظاهر ما كان عليه من شدّته على الكافرين ، ونكايته في المشركين ، وغلظته على الفاسقين ، ومقاماته المشهورة في تشييد الملَّة ونصرة الدين ، ورأفته بالمؤمنين ، ورحمته للصالحين . ولا يمكن أحدا ادّعاءه لأبي بكر إلَّا بالعصبية ، أو الظنّ دون اليقين ، لأنّه لم يعرف له قتيل في الإسلام ، ولا بارز قرنا ، ولم ير له موقف عنى فيه بين يدي النبي صلَّى اللَّه عليه وآله ، ولا نازل بطلا ، ولا سفك بيده لأحد المشركين دما ، ولا كان له فيهم جريح ، ولم يزل من قتالهم هاربا ، ومن حربهم ناكلا ، وكان على المؤمنين غليظا ، ولم يكن بهم رحيما . ألا ترى ما فعله بفاطمة سيّدة نساء العالمين عليها السّلام وما أدخله من الذلّ على ولدها ، وما صنع بشيعتها ( 1 ) ، وما كان من شدّته على صاحب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وعامله على الصدقات ، ومن كان في حيّزه من المسلمين حتّى سفك دماءهم بيد المنافق الرجيم ، واستباح حريمهم بما لا يوجب ذلك في الشرع والدين . فثبت أنّه كان من الأوصاف على ضدّ ما أوجبه اللَّه تعالى في حكمه لمن أخبر عن الانتقام به من المرتدّين . ثمّ صرّح تعالى فيما أوصله بالآية من الذكر الحكيم بنعت أمير المؤمنين عليه السّلام ، وأقام البرهان الجليّ على أنّه عناه بذلك وأراده خاصّة ، بما أشار به من صفاته التي تحقّق بالانفراد بها من العالمين . فقال جلّ اسمه : * ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّه ورَسُولُه والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهُمْ راكِعُونَ ومَنْ يَتَوَلَّ اللَّه ورَسُولَه والَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّه هُمُ الْغالِبُونَ ) * ( 2 ) .
هامش
( 1 ) للتوسّع في هذا البحث راجع الشافيّ 4 : 57 - 123 ، تقريب المعارف : 163 - 168 . الصراط المستقيم 2 : 282 - 302 ، نهج الحقّ : 265 - 272 . ( 2 ) المائدة : 55 - 56 .