تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ ( 62 ) قالَ بَلْ فَعَلَه كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ( 63 ) * ( قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ ) * حين أحضروه . * ( قالَ بَلْ فَعَلَه كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ) * أسند الفعل إليه تجوزا لأن غيظه لما رأى من زيادة تعظيمهم له تسبب لمباشرته إياه ، أو تقريرا لنفسه مع الاستهزاء والتبكيت على أسلوب تعريضي كما لو قال لك من لا يحسن الخط فيما كتبته بخط رشيق : أأنت كتبت هذا فقلت بل كتبته أنت ، أو حكاية لما يلزم من مذهبهم جوازه ، وقيل إنه في المعنى متعلق بقوله * ( إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ) * وما بينهما اعتراض أو إلى ضمير * ( فَتًى ) * أو * ( إِبْراهِيمُ ) * ، وقوله * ( كَبِيرُهُمْ هذا ) * مبتدأ وخبر ولذلك وقف على فعله . وما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال « لإبراهيم ثلاث كذبات » تسمية للمعاريض كذبا لما شابهت صورتها صورته .
فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ( 64 ) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ( 65 ) * ( فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ ) * وراجعوا عقولهم . * ( فَقالُوا ) * فقال بعضهم لبعض . * ( إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ) * بهذا السؤال أو بعبادة من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لا من ظلمتموه بقولكم * ( إِنَّه لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) * . * ( ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ ) * انقلبوا إلى المجادلة بعد ما استقاموا بالمراجعة ، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء مستعليا على أعلاه . وقرئ « نكّسوا » بالتشديد و « نكسوا » أي نكسوا أنفسهم . * ( لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ) * فكيف تأمرنا بسؤالها وهو على إرادة القول .
قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً ولا يَضُرُّكُمْ ( 66 ) أُفٍّ لَكُمْ ولِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 67 ) قالُوا حَرِّقُوه وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 68 ) * ( قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً ولا يَضُرُّكُمْ ) * إنكار لعبادتهم لها بعد اعترافهم بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر فإنه ينافي الألوهية . * ( أُفٍّ لَكُمْ ولِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ) * تضجر منه على إصرارهم بالباطل البين ، و * ( أُفٍّ ) * صوت المتضجر ومعناه قبحا ونتنا واللام لبيان المتأفف له . * ( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) * قبح صنيعكم . * ( قالُوا ) * أخذا في المضارة لما عجزوا عن المحاجة . * ( حَرِّقُوه ) * فإن النار أهول ما يعاقب به . * ( وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ ) * بالانتقام لها . * ( إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) * إن كنتم ناصرين لها نصرا مؤزرا ، والقائل فيهم رجل من أكراد فارس اسمه هيون خسف به الأرض وقيل نمروذ .
قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ( 69 ) * ( قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ) * ذات برد وسلام أي ابردي بردا غير ضار ، وفيه مبالغات جعل النار المسخرة لقدرته مأمورة مطيعة وإقامة * ( كُونِي ) * ذات برد مقام ابردي ، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . وقيل نصب * ( سَلاماً ) * بفعله أي وسلمنا سلاما عليه . روي أنهم بنوا حظيرة بكوثى وجمعوا فيها نارا عظيمة ثم وضعوه في المنجنيق مغلولا فرموا به فيها فقال له جبريل : هل لك حاجة ، فقال : أما إليك فلا فقال : فسل ربك فقال : حسبي من سؤالي علمه بحالي ، فجعل اللَّه تعالى - ببركة قوله - الحظيرة