تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
قَلِيلٍ ( 16 ) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ ( 17 ) . * ( فَأَعْرَضُوا ) * عن الشكر . * ( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ) * سيل الأمر العرم أي الصعب من عرم الرجل فهو عارم ، وعرم إذا شرس خلقه وصعب ، أو المطر الشديد أو الجرذ ، أضاف إليه ال‍ * ( سَيْلَ ) * لأنه نقب عليهم سكرا ضربته لهم بلقيس فحقنت به ماء الشجر وتركت فيه ثقبا على مقدار ما يحتاجون إليه ، أو المسناة الَّتي عقدت سكرا على أنه جمع عرمة وهي الحجارة المركومة ، وقيل اسم واد جاء السيل من قبله وكان ذلك بين عيسى ومحمّد عليهما الصلاة والسلام . * ( وبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ) * ثمر بشع فإن الخمط كل نبت أخذ طعما من مرارة ، وقيل الأراك أو كل شجر لا شوك له ، والتقدير أكل أكل خمط فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه في كونه بدلا ، أو عطف بيان . * ( وأَثْلٍ وشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ) * معطوفان على * ( أُكُلٍ ) * لا على * ( خَمْطٍ ) * ، فإن الأثل هو الطرفاء ولا ثمر له ، وقرئا بالنصب عطفا على * ( جَنَّتَيْنِ ) * ووصف السدر بالقلة فإن جناه وهو النبق مما يطيب أكله ولذلك يغرس في البساتين ، وتسمية البدل * ( جَنَّتَيْنِ ) * للمشاكلة والتهكم . وقرأ أبو عمرو « ذواتي أكل » بغير تنوين اللام وقرأ الحرميان بتخفيف * ( أُكُلٍ ) * * ( ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا ) * بكفرانهم النعمة أو بكفرهم بالرسل ، إذ روي أنه بعث إليهم ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم ، وتقديم المفعول للتعظيم لا للتخصيص . وهل يجازى إلَّا الكفور وهل يجازى بمثل ما فعلنا بهم إلا البليغ في الكفران أو الكفر . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص * ( نُجازِي ) * بالنون و * ( الْكَفُورَ ) * بالنصب .
وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأَيَّاماً آمِنِينَ ( 18 ) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ ومَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 19 ) * ( وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها ) * بالتوسعة على أهلها وهي قرى الشأم . * ( قُرىً ظاهِرَةً ) * متواصلة يظهر بعضها لبعض ، أو راكبة متن الطريق ظاهرة لأبناء السبيل . * ( وقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ ) * بحيث يقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في قرية إلى أن يبلغ الشام . * ( سِيرُوا فِيها ) * على إرادة القول بلسان الحال أو المقال . * ( لَيالِيَ وأَيَّاماً ) * متى شئتم من ليل أو نهار . * ( آمِنِينَ ) * لا يختلف الأمن فيها باختلاف الأوقات ، أو سيروا آمنين وإن طالت مدة سفركم فيها ، أو سيروا فيها ليالي أعماركم وأيامها لا تلقون فيها إلا الأمن . * ( فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا ) * أشروا النعمة وملوا العافية كبني إسرائيل فسألوا اللَّه أن يجعل بينهم وبين الشأم مفاوز ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل وتزود الأزواد ، فأجابهم اللَّه بتخريب القرى المتوسطة . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام « بعد » ، ويعقوب * ( رَبَّنا باعِدْ ) * بلفظ الخبر على أنه شكوى منهم لبعد سفرهم إفراطا في الترفه وعدم الاعتداد بما أنعم اللَّه عليهم فيه ، ومثله قراءة من قرأ « ربنا بعد » أو « بعد » على النداء وإسناد الفعل إلى * ( بَيْنَ ) * . * ( وظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) * حيث بطروا النعمة ولم يعتدوا بها . * ( فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ ) * يتحدث الناس بهم تعجبا وضرب مثل فيقولون : تفرقوا أيدي سبأ . * ( ومَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ) * ففرقناهم غاية التفريق حتى لحق غسان منهم بالشأم ، وأنمار بيثرب ، وجذام بتهامة ، والأزد بعمان . * ( إِنَّ فِي ذلِكَ ) * فيما ذكر . * ( لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ ) * عن المعاصي . * ( شَكُورٍ ) * على النعم .
ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّه فَاتَّبَعُوه إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 20 ) وما كانَ لَه عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 21 )
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 245 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي