عِبادِيَ الشَّكُورُ ) * المتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته ومع ذلك لا يوفى حقه ، لأن توفيقه الشكر نعمة تستدعي شكرا آخر لا إلى نهايته ، ولذلك قيل الشكور من يرى عجزه عن الشكر .
فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْه الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِه إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَه فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ( 14 ) لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ واشْكُرُوا لَه بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ ( 15 )
* ( فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْه الْمَوْتَ ) * أي على سليمان . * ( ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِه ) * ما دل الجن وقيل آله . * ( إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ ) * أي الأرضة أضيفت إلى فعلها ، وقرئ بفتح الراء وهو تأثر الخشبة من فعلها يقال : أرضت الأرضة الخشبة أرضا فأرضت أرضا مثل أكلت القوادح الأسنان أكلا فأكلت أكلا . * ( تَأْكُلُ مِنْسَأَتَه ) * عصاه من نسأت البعير إذا طردته لأنها يطرد بها ، وقرئ بفتح الميم وتخفيف الهمزة قلبا وحذفا على غير قياس إذ القياس إخراجها بين بين ، و « منساءته » على مفعالة كميضاءة في ميضأة و « من سأته » أي طرف عصاه مستعار من سأت القوس ، وفيه لغتان كما في قحة وقحة ، وقرأ نافع وأبو عمرو * ( مِنْسَأَتَه ) * بألف بدلا من الهمزة وابن ذكوان بهمزة ساكنة وحمزة إذا وقف جعلها بين بين . * ( فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ ) * علمت الجن بعد التباس الأمر عليهم .
* ( أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ) * أنهم لو كانوا يعلمون الغيب كما يزعمون لعلموا موته حينما وقع فلم يلبثوا بعده حولا في تسخيره إلى أن خرّ ، أو ظهرت الجن وأن بما في حيزه بدل منه أي ظهر أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب . وذلك أن داود أسس بيت المقدس في موضع فسطاط موسى عليهما الصلاة والسلام فمات قبل تمامه ، فوصى به إلى سليمان عليه السلام فاستعمل الجن فيه فلم يتم بعد إذ دنا أجله وأعلم به ، فأراد أن يعمي عليهم موته ليتموه فدعاهم فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب ، فقام يصلي متكئا على عصاه فقبض روحه وهو متكئ عليها ، فبقي كذلك حتى أكلتها الأرضة فخرّ ثم فتحوا عنه وأرادوا أن يعرفوا وقت موته ، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت يوما وليلة مقدارا فحسبوا على ذلك فوجدوه قد مات منذ سنة ، وكان عمره ثلاثا وخمسين سنة وملك وهو ابن ثلاثة عشرة سنة ، وابتدأ عمارة بيت المقدس لأربع مضين من ملكه . * ( لَقَدْ كانَ لِسَبَأٍ ) * لأولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، ومنع الصرف عنه ابن كثير وأبو عمرو لأنه صار اسم القبيلة ، وعن ابن كثير قلب همزته ألفا ولعله أخرجه بين بين فلم يؤده الراوي كما وجب . في مساكنهم في مواضع سكناهم ، وهي باليمن يقال لها مأرب ، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ، وقرأ حمزة وحفص بالإفراد والفتح ، والكسائي بالكسر حملا على ما شذ من القياس كالمسجد والمطلع . * ( آيَةٌ ) * علامة دالة على وجود الصانع المختار ، وأنه قادر على ما يشاء من الأمور العجيبة مجاز للمحسن والمسيء معاضدة للبرهان السابق كما في قصتي داود وسليمان عليهما السلام . * ( جَنَّتانِ ) * بدل من * ( آيَةٌ ) * أو خبر محذوف تقديره الآية جنتان ، وقرئ بالنصب على المدح والمراد جماعتان من البساتين .
* ( عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ ) * جماعة عن يمين بلدهم وجماعة عن شماله كل واحدة منهما في تقاربها وتضامهما كأنها جنة واحدة ، أو بستانا كل رجل منهم عن يمين مسكنه وعن شماله . * ( كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ واشْكُرُوا لَه ) * حكاية لما قال لهم نبيهم ، أو لسان الحال أو دلالة بأنهم كانوا أحقاء بأن يقال لهم ذلك . * ( بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ ) * استئناف للدلالة على موجب الشكر ، أي هذه البلدة الَّتي فيها رزقكم بلدة طيبة وربكم الَّذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور فرطات من يشكره . وقرئ الكل بالنصب على المدح . قيل كانت أخصب البلاد وأطيبها لم يكن فيها عاهة ولا هامة .
فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأَثْلٍ وشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ