تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
عقيبه فأخذوا في الآخرين .
ولَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْه أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ( 23 ) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ( 24 ) * ( وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ ) * وصل إليه وهو بئر كانوا يسقون منها . * ( وَجَدَ عَلَيْه ) * وجد فوق شفيرها . * ( أُمَّةً مِنَ النَّاسِ ) * جماعة كثيرة مختلفين . * ( يَسْقُونَ ) * مواشيهم . * ( ووَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ ) * في مكان أسفل من مكانهم . * ( امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ ) * تمنعان أغنامهما عن الماء لئلا تختلط بأغنامهم . * ( قالَ ما خَطْبُكُما ) * ما شأنكما تذودان . * ( قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ ) * تصرف الرعاة مواشيهم عن الماء حذرا عن مزاحمة الرجال ، وحذف المفعول لأن الغرض هو بيان ما يدل على عفتهما ويدعوه إلى السقي لهما ثم دونه . وقرأ أبو عمرو وابن عامر * ( يُصْدِرَ ) * أي ينصرف . وقرئ « الرعاء » بالضم وهو اسم جمع كالرخال . * ( وأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ) * كبير السن لا يستطيع أن يخرج للسقي فيرسلنا اضطرارا . * ( فَسَقى لَهُما ) * مواشيهما رحمة عليهما . قيل كانت الرعاة يضعون على رأس البئر حجرا لا يقله إلا سبعة رجال أو أكثر فأقله وحده مع ما كان به من الوصب والجوع وجراحة القدم ، وقيل كانت بئرا أخرى عليها صخرة فرفعها واستقى منها . * ( ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ ) * لأي شيء أنزلت إلي . * ( مِنْ خَيْرٍ ) * قليل أو كثير وحمله الأكثرون على الطعام . * ( فَقِيرٌ ) * محتاج سائل ولذلك عدي باللام ، وقيل معناه إني لما أنزلت إلى من خير الدين صرت فقيرا في الدنيا ، لأنه كان في سعة عند فرعون والغرض منه إظهار التبجح والشكر على ذلك .
فَجاءَتْه إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَه وقَصَّ عَلَيْه الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 25 ) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْه إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ( 26 ) * ( فَجاءَتْه إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ ) * أي مستحيية متخفرة . قيل كانت الصغرى منهما وقيل الكبرى واسمها صفوراء أو صفراء وهي الَّتي تزوجها موسى عليه السلام . * ( قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ ) * ليكافئك . * ( أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا ) * جزاء سقيك لنا ، ولعل موسى عليه الصلاة والسلام إنما أجابها ليتبرك برؤية الشيخ ويستظهر بمعرفته لا طمعا في الأجر ، بل روي أنه لما جاءه قدم إليه طعاما فامتنع عنه وقال : إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بالدنيا حتى قال له شعيب عليه الصلاة والسلام : هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا . هذا وأن كل من فعل معروفا فأهدي بشيء لم يحرم أخذه . * ( فَلَمَّا جاءَه وقَصَّ عَلَيْه الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) * يريد فرعون وقومه . * ( قالَتْ إِحْداهُما ) * يعني الَّتي استدعته . * ( يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْه ) * لرعي الغنم . * ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ) * تعيل شائع يجري مجرى الدليل على أنه حقيق بالاستئجار وللمبالغة فيه ، جعل * ( خَيْرَ ) * اسما وذكر الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أنه امرؤ مجرب معروف . روي أن شعيبا قال لها وما أعلمك بقوته وأمانته فذكرت إقلال الحجر وأنه صوب رأسه حتى بلغته رسالته وأمرها بالمشي خلفه .
قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ