تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
أي إذا صح أن لا أحد مثله ولا يستحق العبادة غيره لم يكن بد من التسليم لأمره والاشتغال بعبادته والاصطبار على مشاقها .
ويَقُولُ الإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ( 66 ) أَولا يَذْكُرُ الإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناه مِنْ قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئاً ( 67 ) * ( وَيَقُولُ الإِنْسانُ ) * المراد به الجنس بأسره فإن المقول مقول فيما بينهم وإن لم يقله كلهم كقولك : بنو فلان قتلوا فلانا والقاتل واحد منهم ، أو بعضهم المعهود وهم الكفرة أو أبي بن خلف فإنه أخذ عظاما بالية ففتها وقال : يزعم محمد أنا نبعث بعد ما نموت . * ( أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ) * من الأرض أو من حال الموت ، وتقديم الظرف وإيلاؤه حرف الإنكار لأن المنكر كون ما بعد الموت وقت الحياة ، وانتصابه بفعل دل عليه * ( أُخْرَجُ ) * لا به فإن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها ، وهي ها هنا مخلصة للتوكيد مجردة عن معنى الحال كما خلصت الهمزة واللام في يا اللَّه للتعويض فساغ اقترانها بحرف الاستقبال . وروي عن ابن ذكوان * ( إِذا ما مِتُّ ) * بهمزة واحدة مكسورة على الخبر . * ( أَولا يَذْكُرُ الإِنْسانُ ) * عطف على * ( يَقُولُ ) * ، وتوسيط همزة الإنكار بينه وبين العاطف مع أن الأصل أن يتقدمهما للدلالة على أن المنكر بالذات هو المعطوف وأن المعطوف عليه إنما نشأ منه فإنه لو تذكر وتأمل : * ( أَنَّا خَلَقْناه مِنْ قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئاً ) * بل كان عدما صرفا ، لم يقل ذلك فإنه أعجب من جمع المواد بعد التفريق وإيجاد مثل ما كان فيها من الأعراض . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وقالون عن يعقوب * ( يَذْكُرُ ) * من الذكر الذي يراد به التفكر ، وقرئ « يتذكر » على الأصل .
فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ( 68 ) * ( فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ ) * أقسم باسمه تعالى مضافا إلى نبيه تحقيقا للأمر وتفخيما لشأن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . * ( وَالشَّياطِينَ ) * عطف أو مفعول معه لما روي أن الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم كل مع شيطانه في سلسلة ، وهذا وإن كان مخصوصا بهم ساغ نسبته إلى الجنس بأسره ، فإنهم إذا حشروا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا جميعا معهم . * ( ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ ) * ليرى السعداء ما نجاهم اللَّه منه فيزدادوا غبطة وسرورا ، وينال الأشقياء ما ادخروا لمعادهم عدة ويزدادوا غيظا من رجوع السعداء عنهم إلى دار الثواب وشماتتهم عليهم * ( جِثِيًّا ) * على ركبهم لما يدهمهم من هول المطلع ، أو لأنه من توابع التواقف للحساب قبل التواصل إلى الثواب والعقاب ، وأهل الموقف جاثون لقوله تعالى * ( وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ) * على المعتاد في مواقف التقاول ، وإن كان المراد بالإنسان الكفرة فلعلهم يساقون جثاة من الموقف إلى شاطئ جهنم إهانة بهم ، أو لعجزهم عن القيام لما عراهم من الشدة . وقرأ حمزة والكسائي وحفص * ( جِثِيًّا ) * بكسر الجيم .
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ( 69 ) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا ( 70 ) * ( ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ ) * من كل أمة شاعت دينا . * ( أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ) * من كان أعصى وأعتى منهم فنطرحهم فيها ، وفي ذكر الأشد تنبيه على أنه تعالى يعفو كثيرا من أهل العصيان ولو خص ذلك بالكفرة فالمراد أنه يميز طوائفهم أعتاهم فأعتاهم ويطرحهم في النار على الترتيب ، أو يدخل كلا طبقتها التي تليق به ، و * ( أَيُّهُمْ ) * مبني على الضم عند سيبويه لأن حقه أن يبنى كسائر الموصولات ، لكنه أعرب حملا
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 16 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي