تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
الوحش وطعامهم ما لفظه البحر ، وكانوا كفارا فخيره اللَّه بين أن يعذبهم أو يدعوهم إلى الإيمان كما حكى بقوله * ( قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ ) * أي بالقتل على كفرهم . * ( وإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ) * بالإرشاد وتعليم الشرائع . وقيل خيره اللَّه بين القتل والأسر وسماه إحسانا في مقابلة القتل ويؤيده الأول قوله :
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُه ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّه فَيُعَذِّبُه عَذاباً نُكْراً ( 87 ) وأَمَّا مَنْ آمَنَ وعَمِلَ صالِحاً فَلَه جَزاءً الْحُسْنى وسَنَقُولُ لَه مِنْ أَمْرِنا يُسْراً ( 88 ) * ( قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُه ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّه فَيُعَذِّبُه عَذاباً نُكْراً ) * أي فاختار الدعوة وقال : أما من دعوته فظلم نفسه بالإصرار على كفره أو استمر على ظلمه الذي هو الشرك فنعذبه أنا ومن معي في الدنيا بالقتل ، ثم يعذبه اللَّه في الآخرة عذابا منكرا لم يعهد مثله . * ( وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ) * وهو ما يقتضيه الإيمان . * ( فَلَه ) * في الدارين . * ( جَزاءً الْحُسْنى ) * فعلته الحسنى . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص * ( جَزاءً ) * منونا منصوبا على الحال أي فله المثوبة الحسنى مجزيا بها ، أو على المصدر لفعله المقدر حالا أي يجزي بها جزاء أو التمييز ، وقرئ منصوبا غير منون على أن تنوينه حذف لالتقاء الساكنين ومنونا مرفوعا على أنه المبتدأ و * ( الْحُسْنى ) * بدله ، ويجوز أن يكون * ( أَمَّا ) * و * ( أَمَّا ) * للتقسيم دون التخيير أي ليكن شأنك معهم إما التعذيب وإما الإحسان ، فالأول لمن أصر على الكفر والثاني لمن تاب عنه ، ونداء اللَّه إياه إن كان نبيا فبوحي وإن كان غيره فبإلهام أو على لسان نبي . * ( وسَنَقُولُ لَه مِنْ أَمْرِنا ) * بما نأمر به . * ( يُسْراً ) * سهلا ميسرا غير شاق وتقديره ذا يسر ، وقرئ بضمتين .
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ( 89 ) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً ( 90 ) كَذلِكَ وقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْه خُبْراً ( 91 ) * ( ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ) * ثم أتبع طريقا يوصله إلى المشرق . * ( حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ ) * يعني الموضع الذي تطلع الشمس عليه أولا من معمورة الأرض ، وقرئ بفتح اللام على إضمار مضاف أي مكان مطلع الشمس فإنه مصدر . * ( وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً ) * من اللباس أو البناء ، فإن أرضهم لا تمسك الأبنية أو أنهم اتخذوا الأسراب بدل الأبنية . * ( كَذلِكَ ) * أي أمر ذي القرنين كما وصفناه في رفعة المكان وبسطة الملك ، أو أمره فيهم كأمره في أهل المغرب من التخيير والاختيار . ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف لوجد أو * ( نَجْعَلْ ) * أو صفة قوم أي على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم الشمس في الكفر والحكم . * ( وقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْه ) * من الجنود والآلات والعدد والأسباب . * ( خُبْراً ) * علما تعلق بظواهره وخفاياه ، والمراد أن كثرة ذلك بلغت مبلغا لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير .
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ( 92 ) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ( 93 ) * ( ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ) * يعني طريقا ثالثا معترضا بين المشرق والمغرب آخذا من الجنوب إلى الشمال . * ( حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ) * بين الجبلين المبني بينهما سده وهما جبلا أرمينية وأذربيجان . وقيل جبلان منيفان في أواخر الشمال في منقطع أرض الترك من ورائهما يأجوج ومأجوج . وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب * ( بَيْنَ السَّدَّيْنِ ) * بالضم وهما لغتان . وقيل المضموم لما خلقه اللَّه تعالى والمفتوح لما عمله الناس لأنه في الأصل مصدر سمي به حدث يحدثه الناس . وقيل بالعكس وبين ها هنا مفعول به