تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
الأول لذلك فإنها كانت صغيرة ولم تبلغ الحلم أو أنه لم يرها قد أذنبت ذنبا يقتضي قتلها ، أو قتلت نفسا فتقاد بها ، نبه به على أن القتل إنما يباح حدا أو قصاصا وكلا الأمرين منتف ، ولعل تغيير النظم بأن جعل خرقها جزاء ، واعتراض موسى عليه الصلاة والسلام مستأنفا في الأولى وفي الثانية قتله من جملة الشرط واعتراضه جزاء ، لأن القتل أقبح والاعتراض عليه أدخل فكان جديرا بأن يجعل عمدة الكلام ولذلك فصله بقوله : * ( لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ) * أي منكرا ، وقرأ نافع في رواية قالون وورش وابن عامر ويعقوب وأبو بكر * ( نُكْراً ) * بضمتين .
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 75 ) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً ( 76 ) * ( قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) * زاد فيه * ( لَكَ ) * مكافحة بالعتاب على رفض الوصية ، ووسما بقلة الثبات والصبر لما تكرر منه الاشمئزاز والاستنكار ولم يرعو بالتذكير أول مرة حتى زاد في الاستنكار ثاني مرة . * ( قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي ) * وإن سألت صحبتك ، وعن يعقوب « فلا تصحبني » أي فلا تجعلني صاحبك . * ( قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً ) * قد وجدت عذرا من قبلي لما خالفتك ثلاث مرات . وعن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « رحم اللَّه أخي موسى استحيا فقال ذلك لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب » . وقرأ نافع * ( مِنْ لَدُنِّي ) * بتحريك النون والاكتفاء بها عن نون الدعامة كقوله : قدني من نصر الحبيبين قدى . وأبو بكر * ( لَدُنِّي ) * بتحريك النون وإسكان الضاد من عضد .
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَه قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْه أَجْراً ( 77 ) * ( فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ ) * قرية أنطاكية وقيل أبلة البصرة . وقيل باجروان أرمينية . * ( اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما ) * وقرئ * ( يُضَيِّفُوهُما ) * من أضافه يقال ضافه إذا نزل به ضيفا وأضافه وضيفه أنزله ، وأصل التركيب للميل يقال ضاف السهم عن الغرض إذا مال . * ( فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) * يداني أن يسقط فاستعيرت الإرادة للمشارفة كما استعير لها الهم والعزم قال : يريد الرّمح صدر أبي براء * ويعدل عن دماء بني عقيل وقال : إنّ دهرا يلمّ شملي بجمل * لزمان يهمّ بالإحسان وانقض انفعل من قضضته إذا كسرته ، ومنه انقضاض الطير والكواكب لهوية ، أو أفعل من النقض . وقرئ « أن ينقض » و « أن ينقاص » بالصاد المهملة من انقاصت السن إذا انشقت طولا . * ( فَأَقامَه ) * بعمارته أو بعمود عمده به ، وقيل مسحه بيده فقام . وقيل نقضه وبناه . * ( قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْه أَجْراً ) * تحريضا على أخذ الجعل لينتعشا به ، أو تعريضا بأنه فضول لما في * ( لَوْ ) * من النفي كأنه لما رأى الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله بما لا يعنيه لم يتمالك نفسه ، واتخذ افتعل من تخذ كاتبع من تبع وليس من الأخذ عند البصريين ، وقرأ ابن كثير والبصريان « لتخذت » أي لأخذت وأظهر ابن كثير ويعقوب وحفص الدال وأدغمه الباقون .
قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْه صَبْراً ( 78 ) * ( قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ ) * الإشارة إلى الفراق الموعود بقوله * ( فَلا تُصاحِبْنِي ) * أو إلى الاعتراض
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 289 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي