تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
طريقه في البحر مسلكا من قوله * ( وسارِبٌ بِالنَّهارِ ) * . وقيل أمسك اللَّه جرية الماء على الحوت فصار كالطاق عليه ، ونصبه على المفعول الثاني وفي البحر حال منه أو من السبيل ويجوز تعلقه باتخذ . * ( فَلَمَّا جاوَزا ) * مجمع البحرين . * ( قالَ لِفَتاه آتِنا غَداءَنا ) * ما نتغدى به . * ( لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ) * قيل لم ينصب حتى جاوز الموعد فلما جاوزه وسار الليلة والغد إلى الظهر ألقي عليه الجوع والنصب . وقيل لم يعي موسى في سفر غيره ويؤيده التقييد باسم الإشارة .
قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وما أَنْسانِيه إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَه واتَّخَذَ سَبِيلَه فِي الْبَحْرِ عَجَباً ( 63 ) * ( قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا ) * أرأيت ما دهاني إذ أوينا . * ( إِلَى الصَّخْرَةِ ) * يعني الصخرة التي رقد عندها موسى . وقيل هي الصخرة التي دون نهر الزيت . * ( فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ ) * فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت منه . * ( وما أَنْسانِيه إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَه ) * أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان فإن * ( أَنْ أَذْكُرَه ) * بدل من الضمير ، وقرئ « أن أذكركه » . وهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه ، والحال وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها لكنه لما ضري بمشاهدة أمثالها عند موسى وألفها قل اهتمامه بها ، ولعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة ، وإنما نسبه إلى الشيطان هضما لنفسه أو لأن عدم احتمال القوة للجانبين واشتغالها بأحدهما عن الآخر يعد من نقصان . * ( واتَّخَذَ سَبِيلَه فِي الْبَحْرِ عَجَباً ) * سبيلا عجبا وهو كونه كالسرب أو اتخاذ عجبا ، والمفعول الثاني هو الظرف وقيل هو مصدر فعله المضمر أي قال في آخر كلامه ، أو موسى في جوابه عجبا تعجبا من تلك الحال . وقيل الفعل لموسى أي اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبا .
قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً ( 64 ) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناه رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وعَلَّمْناه مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ( 65 ) * ( قالَ ذلِكَ ) * أي أمر الحوت . * ( ما كُنَّا نَبْغِ ) * نطلب لأنه أمارة المطلوب . * ( فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما ) * فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه . * ( قَصَصاً ) * يقصان قصصا أي يتبعان آثارهما اتباعا ، أو مقتصين حتى أتيا الصخرة . * ( فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا ) * الجمهور على أنه الخضر عليه السلام واسمه بليا بن ملكان ، وقيل اليسع ، وقيل إلياس . * ( آتَيْناه رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا ) * هي الوحي والنبوة . * ( وعَلَّمْناه مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) * مما يختص بنا ولا يعلم إلا بتوفيقنا وهو علم الغيوب .
قالَ لَه مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ( 66 ) * ( قالَ لَه مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ ) * على شرط أن تعلمني ، وهو في موضع الحال من الكاف . * ( مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ) * علما ذا رشد وهو إصابة الخير ، وقرأ البصريان بفتحتين وهما لغتان كالبخل والبخل ، وهو مفعول * ( تُعَلِّمَنِ ) * ومفعول * ( عُلِّمْتَ ) * العائد المحذوف وكلاهما منقولان من علم الذي له مفعول واحد ، ويجوز أن يكون رشدا علة لأتبعك أو مصدرا بإضمار فعله ، ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطا في أبواب الدين ، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقا ، وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب ، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعا له ، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم اللَّه عليه .