تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
ولعله رؤيا رآها في وقعة بدر لقوله تعالى : * ( إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّه فِي مَنامِكَ قَلِيلاً ) * ولما روي ( أنه لما ورد ماءه قال لكأني أنظر إلى مصارع القوم هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان ، فتسامعت به قريش واستسخروا منه ) . وقيل رأى قوما من بني أمية يرقون منبره وينزون عليه نزو القردة فقال : « هذا حظهم من الدنيا يعطونه بإسلامهم » ، وعلى هذا كان المراد بقوله : * ( إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) * ما حدث في أيامهم . * ( والشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) * عطف على * ( الرُّؤْيَا ) * وهي شجرة الزقوم ، لما سمع المشركون ذكرها قالوا إن محمدا يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة ثم يقول ينبت فيها الشجر ، ولم يعلموا أن من قدر أن يحمي وبر السمندل من أن تأكله النار ، وأحشاء النعامة من أذى الجمر وقطع الحديد المحماة الحمر التي تبتلعها ، قدر أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها . ولعنها في القرآن لعن طاعميها وصفت به على المجاز للمبالغة ، أو وصفها بأنها في أصل الجحيم فإنه أبعد مكان من الرحمة ، أو بأنها مكروهة مؤذية من قولهم طعام ملعون لما كان ضارا ، وقد أولت بالشيطان وأبي جهل والحكم بن أبي العاصي ، وقرأت بالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي والشجرة الملعونة في القرآن كذلك . * ( ونُخَوِّفُهُمْ ) * بأنواع التخويف . * ( فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً ) * إلا عتوا متجاوز الحد .
وإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ( 61 ) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَه إِلَّا قَلِيلاً ( 62 ) * ( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ) * لمن خلقته من طين ، فنصب بنزع الخافض ، ويجوز أن يكون حالا من الراجع إلى الموصول أي خلقته وهو طين ، أو منه أي أأسجد له وأصله طين . وفيه على الوجوه الثلاثة إيماء بعلة الإنكار . * ( قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ) * الكاف لتأكيد الخطاب لا محل له من الإعراب ، وهذا مفعول أول والذي صفته والمفعول الثاني محذوف لدلالة صلته عليه ، والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرمته علي بأمري بالسجود له لم كرمته علي . * ( لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) * كلام مبتدأ واللام موطئة للقسم وجوابه : * ( لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَه إِلَّا قَلِيلاً ) * أي لأستأصلنهم بالإغواء إلا قليلا لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم ، من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلا ، مأخوذ من الحنك وإنما علم أن ذلك يتسهل له إما استنباطا من قول * ( الملائكة أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ) * مع التقرير ، أو تفرسا من خلقه ذا وهم وشهوة وغضب .
قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً ( 63 ) واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهُمْ فِي الأَمْوالِ والأَوْلادِ وعِدْهُمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ( 64 ) * ( قالَ اذْهَبْ ) * امض لما قصدته وهو طرد وتخلية بينه وبين ما سولت له نفسه . * ( فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ ) * جزاؤك وجزاؤهم فغلب المخاطب على الغائب ، ويجوز أن يكون الخطاب للتابعين على الالتفات . * ( جَزاءً مَوْفُوراً ) * مكملا من قولهم فر لصاحبك عرضه ، وانتصاب جزاء على المصدر بإضمار فعله أو بما في * ( جَزاؤُكُمْ ) * من معنى تجازون ، أو حال موطئة لقوله * ( مَوْفُوراً ) * . * ( وَاسْتَفْزِزْ ) * واستخفف . * ( مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ ) * أن تستفزه والفز الخفيف . * ( بِصَوْتِكَ ) * بدعائك إلى الفساد . * ( وأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ ) * وصح عليهم من الجلبة وهي الصياح . * ( بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ ) * بأعوانك من راكب وراجل ، والخيل الخيالة ومنه قوله عليه الصلاة والسلام « يا خيل اللَّه اركبي » والرجل اسم جمع للراجل