تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
فإنه استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لمّا يلقى عليه ، وأضاف إليه الغمر الذي هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء نظرا إلى المستعار له ، وقد ينظر إلى المستعار كقوله : ينازعني ردائي عبد عمرو * رويدك يا أخا عمرو بن بكر لي الشّطر الَّذي ملكت يميني * ودونك فاعتجر منه بشطر استعار الرداء لسيفه ثم قال فاعتجر نظرا إلى المستعار . * ( بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ) * بصنيعهم .
ولَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوه فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وهُمْ ظالِمُونَ ( 113 ) * ( وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ ) * يعني محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، والضمير لأهل مكة عاد إلى ذكرهم بعد ما ذكر مثلهم . * ( فَكَذَّبُوه فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وهُمْ ظالِمُونَ ) * أي حال التباسهم بالظلم والعذاب ما أصابهم من الجدب الشديد ، أو وقعة بدر .
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّه حَلالاً طَيِّباً واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّه إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاه تَعْبُدُونَ ( 114 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الْخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِه فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 115 ) * ( فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّه حَلالاً طَيِّباً ) * أمرهم بأكل ما أحل اللَّه لهم وشكر ما أنعم عليهم بعد ما زجرهم عن الكفر وهددهم عليه بما ذكر من التمثيل والعذاب الذي حل بهم ، صدا لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبها الفاسدة . * ( واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّه إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاه تَعْبُدُونَ ) * تطيعون ، أو إن صح زعمكم أنكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادته . * ( إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الْخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِه فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * لما أمرهم بتناول ما أحل لهم عدد عليهم محرماته ليعلم أن ما عداها حل لهم ، ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم فقال :
ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّه الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 116 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 117 ) * ( وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وهذا حَرامٌ ) * كما قالوا * ( ما فِي بُطُونِ هذِه الأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ) * الآية ، ومقتضى سياق الكلام وتصدير الجملة بإنما حصر المحرمات في الأجناس الأربعة إلا ما ضم إليه دليل : كالسباع والحمر الأهلية ، وانتصاب * ( الْكَذِبَ ) * ب * ( لا تَقُولُوا ) * و * ( هذا حَلالٌ وهذا حَرامٌ ) * بدل منه أو متعلق بتصف على إرادة القول أي : ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم فتقولوا هذا حلال وهذا حرام ، أو مفعول * ( لا تَقُولُوا ) * ، و * ( الْكَذِبَ ) * منتصب ب * ( تَصِفُ ) * وما مصدرية أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب أي : لا تحرموا ولا تحللوا بمجرد قول تنطق به ألسنتكم من غير دليل ، ووصف ألسنتهم الكذب مبالغة في وصف كلامهم بالكذب كأن حقيقة الكذب كانت مجهولة وألسنتهم تصفها وتعرفها بكلامهم هذا ، ولذلك عد من فصيح الكلام كقولهم : وجهها يصف الجمال وعينها تصف السحر . وقرئ « الكذب » بالجر بدلا من « ما » ، و * ( الْكَذِبَ ) * جمع كذوب أو كذاب بالرفع صفة للألسنة وبالنصب على الذم أو بمعنى الكلم الكواذب . * ( لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّه الْكَذِبَ ) * تعليل لا يتضمن الغرض . * ( إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ) * لما كان المفتري يفتري لتحصيل مطلوب نفى عنهم الفلاح وبينه بقوله :