تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
أي ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر ، وشعيب عليه الصلاة والسلام لم يكن في ملتهم قط لأن الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر مطلقا ، لكن غلبوا الجماعة على الواحد فخوطب هو وقومه بخطابهم ، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله . * ( قالَ أَولَوْ كُنَّا كارِهِينَ ) * أي كيف نعود فيها ونحن كارهون لها ، أو أتعيدوننا في حال كراهتنا . * ( قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّه كَذِباً ) * قد اختلقنا عليه . * ( إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّه مِنْها ) * شرط جوابه محذوف دليله : * ( قَدِ افْتَرَيْنا ) * وهو بمعنى المستقبل لأنه لم يقع لكنه جعل كالواقع للمبالغة ، وأدخل عليه قد لتقريبه من الحال أي قد افترينا الآن إن هممنا بالعود بعد الخلاص منها حيث نزعم أن للَّه تعالى ندا ، وأنه قد تبين لنا أن ما كنا عليه باطل وما أنتم عليه حق . وقيل إنه جواب قسم وتقديره : واللَّه لقد افترينا . * ( وما يَكُونُ لَنا ) * وما يصح لنا . * ( أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّه رَبُّنا ) * خذلاننا وارتدادنا ، وفيه دليل على أن الكفر بمشيئة اللَّه . وقيل أراد به حسم طمعهم في العود بالتعليق على ما لا يكون . * ( وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ) * أي أحاط علمه بكل شيء مما كان وما يكون منا ومنكم . * ( عَلَى اللَّه تَوَكَّلْنا ) * في أن يثبتنا على الإيمان ويخلصنا من الأشرار . * ( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ ) * احكم بيننا وبينهم ، والفتاح القاضي ، والفتاحة الحكومة . أو أظهر أمرنا حتى ينكشف ما بيننا وبينهم ويتميز المحق من المبطل من فتح المشكل إذا بينه . * ( وأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ) * على المعنيين .
وقالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِه لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ( 90 ) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ( 91 ) * ( وَقالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِه لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً ) * وتركتم دينكم . * ( إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ) * لاستبدالكم ضلالته بهداكم ، أو لفوات ما يحصل لكم بالبخس والتطفيف وهو ساد مسد جواب الشرط والقسم الموطأ باللام . * ( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ) * الزلزلة وفي سورة « الحجر » * ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ ) * ولعلها كانت من مباديها . * ( فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ) * أي في مدينتهم .
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ ( 92 ) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ( 93 ) * ( الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً ) * مبتدأ خبره * ( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ) * أي استؤصلوا كأن لم يقيموا بها والمغني المنزل . * ( الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ ) * دينا ودنيا لا الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا ، فإنهم الرابحون في الدارين . وللتنبيه على هذا والمبالغة فيه كرر الموصول واستأنف بالجملتين وأتى بهما اسميتين . * ( فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ ) * قاله تأسفا بهم لشدة حزنه عليهم ثم أنكر على نفسه فقال : * ( فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ) * ليسوا أهل حزن لاستحقاقهم ما نزل عليهم بكفرهم ، أو قاله اعتذارا عن عدم شدة حزنه عليهم . والمعنى لقد بالغت في الإبلاغ والإنذار وبذلت وسعي في النصح والإشفاق فلم تصدقوا قولي ، فكيف آسى عليكم . وقرئ « فكيف أيسي » بإمالتين .
وما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ والضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ( 94 ) ثُمَّ بَدَّلْنا
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 24 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي