تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
( 16 ) سورة النحل مكية غير ثلاث آيات في آخرها وهي مائة وثمان وعشرون آية
بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَتى أَمْرُ اللَّه فَلا تَسْتَعْجِلُوه سُبْحانَه وتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 1 ) * ( أَتى أَمْرُ اللَّه فَلا تَسْتَعْجِلُوه ) * كانوا يستعجلون ما أوعدهم الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من قيام الساعة ، أو إهلاك اللَّه تعالى إياهم كما فعل يوم بدر استهزاء وتكذيبا ، ويقولون إن صح ما تقوله فالأصنام تشفع لنا وتخلصنا منه فنزلت ، والمعنى أن الأمر الموعود به بمنزلة الآتي المتحقق من حيث إنه واجب الوقوع ، فلا تستعجلوا وقوعه فإنه لا خير لكم فيه ولا خلاص لكم منه . * ( سُبْحانَه وتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * تبرأ وجل عن أن يكون له شريك فيدفع ما أراد بهم . وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على وفق قوله : * ( فَلا تَسْتَعْجِلُوه ) * والباقون بالياء على تلوين الخطاب ، أو على أن الخطاب للمؤمنين أو لهم ولغيرهم ، لما روي أنه لما نزلت أتى أمر اللَّه فوثب النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ورفع الناس رؤوسهم فنزلت * ( فَلا تَسْتَعْجِلُوه ) * .
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِه عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّه لا إِله إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ( 2 ) * ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ ) * بالوحي أو القرآن ، فإنه يحيي به القلوب الميتة بالجهل ، أو يقوم في الدين مقام الروح في الجسد ، وذكره عقيب ذلك إشارة إلى الطريق الذي به علم الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ما تحقق موعدهم به ودنوه وإزاحة لاستبعادهم اختصاصه بالعلم به . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ينزل من أنزل ، وعن يعقوب مثله وعنه « تنزل » بمعنى تتنزل . وقرأ أبو بكر « تنزل » على المضارع المبني للمفعول من التنزيل . * ( مِنْ أَمْرِه ) * بأمره أو من أجله . * ( عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه ) * أن يتخذه رسولا . * ( أَنْ أَنْذِرُوا ) * بأن أنذروا أي اعلموا من نذرت بكذا إذا علمته . * ( أَنَّه لا إِله إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ) * أن الشأن * ( لا إِله إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ) * ، أو خوفوا أهل الكفر والمعاصي بأنه * ( لا إِله إِلَّا أَنَا ) * وقوله * ( فَاتَّقُونِ ) * رجوع إلى مخاطبتهم بما هو المقصود ، و * ( أَنْ ) * مفسرة لأن الروح بمعنى الوحي الدال على القول ، أو مصدرية في موضع الجر بدلا من الروح أو النصب بنزع الخافض ، أو مخففة من الثقيلة . والآية تدل على أن نزول الوحي بواسطة الملائكة وأن حاصله التنبيه على التوحيد الذي هو منتهى كمال القوة العلمية ، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمال القوة العملية . وأن النبوة عطائية والآيات التي بعدها دليل على وحدانيته من حيث إنها تدل على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة ، ولو كان له شريك لقدر على ذلك فيلزم التمانع .
خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 3 ) خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 4 ) * ( خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ ) * أوجدهما على مقدار وشكل وأوضاع وصفات مختلفة قدرها