تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 34 ) وإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ ( 35 ) * ( قالَ فَاخْرُجْ مِنْها ) * من السماء أو الجنة أو زمر الملائكة . * ( فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ) * مطرود من الخير والكرامة ، فإن من يطرد يرجم بالحجر أو شيطان يرجم بالشهب ، وهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته . * ( وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ ) * هذا الطرد والإبعاد . * ( إِلى يَوْمِ الدِّينِ ) * فإنه منتهى أمد اللعن ، فإنه يناسب أيام التكليف ومنه زمان الجزاء وما في قوله : * ( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ ) * بمعنى آخر ينسى عنده هذه . وقيل إنما حد اللعن به لأنه أبعد غاية يضر بها الناس ، أو لأنه يعذب فيه بما ينسى اللعن معه فيصير كالزائل .
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 36 ) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 37 ) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 38 ) * ( قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي ) * فأخرني ، والفاء متعلقة بمحذوف دل عليه * ( فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ) * . * ( إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) * أراد أن يجد فسحة في الإغواء أو نجاة من الموت ، إذ لا موت بعد وقت البعث فأجابه إلى الأول دون الثاني . * ( قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ) * * ( إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) * المسمى فيه أجلك عند اللَّه ، أو انقراض الناس كلهم وهو النفخة الأولى عند الجمهور ، ويجوز أن يكون المراد بالأيام الثلاثة يوم القيامة ، واختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات فعبر عنه أولا بيوم الجزاء لما عرفته وثانيا بيوم البعث ، إذ به يحصل العلم بانقطاع التكليف واليأس عن التضليل ، وثالثا بالمعلوم لوقوعه في الكلامين ، ولا يلزم من ذلك أن لا يموت فلعله يموت أول اليوم ويبعث مع الخلائق في تضاعيفه ، وهذه المخاطبة وإن لم تكن بواسطة لم تدل على منصب إبليس لأن خطاب اللَّه له على سبيل الإهانة والإذلال .
قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ ولأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 39 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) * ( قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي ) * الباء للقسم وما مصدرية وجوابه . * ( لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ ) * والمعنى أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور كقوله : * ( أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ ) * وفي انعقاد القسم بأفعال اللَّه تعالى خلاف . وقيل للسببية والمعتزلة أوّلوا الإغواء بالنسبة إلى الغي ، أو التسبب له بأمره إياه بالسجود لآدم عليه السلام ، أو بالإضلال عن طريق الجنة واعتذروا عن إمهال اللَّه له ، وهو سبب لزيادة غيه وتسليط له على إغواء بني آدم بأن اللَّه تعالى علم منه وممن تبعه أنهم يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار أمهل أو لم يمهل ، وأن في إمهاله تعريضا لمن خالفه لاستحقاق مزيد الثواب ، وضعف ذلك لا يخفى على ذوي الألباب . * ( ولأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) * ولأحملنهم أجمعين على الغواية . * ( إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) * الذين أخلصتهم لطاعتك وطهرتهم من الشوائب فلا يعمل فيهم كيدي . وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بالكسر في كل القرآن أي الذين أخلصوا نفوسهم للَّه تعالى .
قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ( 41 ) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ( 42 ) * ( قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ ) * حقّ علي أن أراعيه . * ( مُسْتَقِيمٌ ) * لا انحراف عنه ، والإشارة إلى ما تضمنه