والمماليك وسائر ما يظنون أنهم يرزقونهم ظنا كاذبا ، فإن اللَّه يرزقهم وإياهم ، وفذلكة الآية الاستدلال يجعل الأرض ممدودة بمقدار وشكل معينين مختلفة الأجزاء في الوضع محدثة فيا أنواع النبات والحيوان المختلفة خلقة وطبيعة ، مع جواز أن لا تكون كذلك على كمال قدرته وتناهي حكمته ، والتفرد في الألوهية والامتنان على العباد بما أنعم عليهم في ذلك ليوحدوه ويعبدوه ، ثم بالغ في ذلك وقال :
وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُه وما نُنَزِّلُه إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 21 )
* ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُه ) * أي وما من شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه ، فضرب الخزائن مثلا لاقتداره أو شبه مقدوراته بالأشياء المخزونة التي لا يحوج إخراجها إلى كلفة واجتهاد . * ( وما نُنَزِّلُه ) * من بقاع القدرة . * ( إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) * حده الحكمة وتعلقت به المشيئة ، فإن تخصيص بعضها بالإيجاد في بعض الأوقات مشتملا على بعض الصفات والحالات لا بد له من مخصص حكيم .
وأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوه وما أَنْتُمْ لَه بِخازِنِينَ ( 22 ) وإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الْوارِثُونَ ( 23 )
* ( وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ ) * حوامل ، شبه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل كما شبه ما لا يكون كذلك بالعقيم ، أو ملقحات للشجر ونظيره الطوائح بمعنى المطيحات في قوله :
ومختبط ممّا تطيح الطوائح وقرئ « وأرسلنا الريح » على تأويل الجنس . * ( فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوه ) * فجعلناه لكم سقيا .
* ( وَما أَنْتُمْ لَه بِخازِنِينَ ) * قادرين متمكنين من إخراجه ، نفى عنهم ما أثبته لنفسه ، أو حافظين في الغدران والعيون والآبار ، وذلك أيضا يدل على المدبر الحكيم كما تدل حركة الهواء في بعض الأوقات من بعض الجهات على وجه ينتفع به الناس ، فإن طبيعة الماء تقتضي الغور فوقوفه دون حد لا بد له من سبب مخصص .
* ( وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي ) * بإيجاد الحياة في بعض الأجسام القابلة لها . * ( ونُمِيتُ ) * بإزالتها وقد أول الحياة بما يعم الحيوان والنبات وتكرير الضمير للدلالة على الحصر . * ( ونَحْنُ الْوارِثُونَ ) * الباقون إذا مات الخلائق كلها .
ولَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ ولَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ( 24 ) وإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّه حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 25 )
* ( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ ولَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) * من استقدم ولادة وموتا ومن استأخر ، أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد ، أو من تقدم في الإسلام والجهاد وسبق إلى الطاعة ، أو تأخر لا يخفى علينا شيء من أحوالكم ، وهو بيان لكمال علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته ، فإن ما يدل على قدرته دليل على علمه . وقيل رغب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في الصف الأول فازدحموا عليه فنزلت . وقيل إن امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فتقدم بعض القوم لئلا ينظر إليها وتأخر بعض ليبصرها فنزلت .
* ( وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ) * لا محالة للجزاء ، وتوسيط الضمير للدلالة على أنه القادر والمتولي لحشرهم لا غير ، وتصدير الجملة ب * ( إِنَّ ) * لتحقيق الوعد والتنبيه على أن ما سبق من الدلالة على كمال قدرته وعلمه بتفاصيل الأشياء يدل على صحة الحكم كما صرح به بقوله : * ( إِنَّه حَكِيمٌ ) * باهر الحكمة متقن في أفعاله .
* ( عَلِيمٌ ) * وسع علمه كل شيء .
ولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ ( 26 ) والْجَانَّ خَلَقْناه مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ( 27 )