تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
وقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْه الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ( 6 ) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 7 ) * ( وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْه الذِّكْرُ ) * نادوا به النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على التهكم ، ألا ترى إلى ما نادوه له وهو قولهم . * ( إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) * ونظير ذلك قول فرعون : * ( إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ) * ، والمعنى إنك لتقول قول المجانين حين تدعي أن اللَّه تعالى نزل عليك الذكر ، أي القرآن . * ( لَوْ ما تَأْتِينا ) * ركب * ( لَوْ ) * مع * ( ما ) * كما ركبت مع لا لمعنيين امتناع الشيء لوجود غيره والتحضيض . * ( بِالْمَلائِكَةِ ) * ليصدقوك ويعضدوك على الدعوة كقوله تعالى : * ( لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْه مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَه نَذِيراً ) * . أو للعقاب على تكذيبنا لك كما أتت الأمم المكذبة قبل . * ( إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) * في دعواك .
ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ( 8 ) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَه لَحافِظُونَ ( 9 ) ما ينزّل الملائكة بالياء ونصب * ( الْمَلائِكَةَ ) * على أن الضمير للَّه تعالى . وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون وأبو بكر بالتاء والبناء للمفعول ورفع الملائكة . وقرئ « تنزل » بمعنى تتنزل . * ( إِلَّا بِالْحَقِّ ) * إلا تنزيلا ملتبسا بالحق أي بالوجه الذي قدره واقتضته حكمته ، ولا حكمة في أن تأتيكم بصور تشاهدونها فإنه لا يزيدكم إلا لبسا ، ولا في معاجلتكم بالعقوبة فإن منكم ومن ذراريكم من سبقت كلمتنا له بالإيمان . وقيل الحق الوحي أو العذاب . * ( وما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ) * * ( إِذاً ) * جواب لهم وجزاء لشرط مقدر أي ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين . * ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ) * رد لإنكارهم واستهزائهم ولذلك أكده من وجوه وقرره بقوله : * ( وإِنَّا لَه لَحافِظُونَ ) * أي من التحريف والزيادة والنقص بأن جعلناه معجزا مباينا لكلام البشر ، بحيث لا يخفى تغيير نظمه على أهل اللسان ، أو نفي تطرق الخلل إليه في الدوام بضمان الحفظ له كما نفى أن يطعن فيه بأنه المنزل له . وقيل الضمير في * ( لَه ) * للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم .
ولَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ ( 10 ) وما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِه يَسْتَهْزِئوُنَ ( 11 ) * ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ ) * في فرقهم ، جمع شيعة وهي الفرقة المتفقة على طريق ومذهب من شاعه إذا تبعه ، وأصله الشياع وهو الحطب الصغار توقد به الكبار ، والمعنى نبأنا رجالا فيهم وجعلناهم رسلا فيما بينهم . * ( وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِه يَسْتَهْزِئوُنَ ) * كما يفعل هؤلاء ، وهو تسلية للنبي عليه الصلاة والسلام و * ( ما ) * للحال لا يدخل إلا مضارعا بمعنى الحال ، أو ماضيا قريبا منه وهذا على حكاية الحال الماضية .
كَذلِكَ نَسْلُكُه فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 12 ) لا يُؤْمِنُونَ بِه وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ( 13 ) * ( كَذلِكَ نَسْلُكُه ) * ندخله . * ( فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ) * والسلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط ، والرمح في المطعون والضمير للاستهزاء . وفيه دليل على أن اللَّه يوجد الباطل في قلوبهم . وقيل ل * ( الذِّكْرَ ) * فإن الضمير الآخر في قوله : * ( لا يُؤْمِنُونَ بِه ) * له وهو حال من هذا الضمير ، والمعنى مثل ذلك السلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين مكذبا غير مؤمن به ، أو بيان للجملة المتضمنة له ، وهذا الاحتجاج ضعيف إذ لا يلزم من تعاقب