تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
* ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّه الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) * فإن الأمر إذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار .
وتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفادِ ( 49 ) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ( 50 ) * ( وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ ) * قرن بعضهم مع بعض بحسب مشاركتهم في العقائد والأعمال كقوله : * ( وإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) * أو قرنوا مع الشياطين أو مع ما اكتسبوا من العقائد الزائغة والملكات الباطلة ، أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال ، وهو يحتمل أن يكون تمثيلا لمؤاخذتهم على ما اقترفته أيديهم وأرجلهم . * ( فِي الأَصْفادِ ) * متعلق ب * ( مُقَرَّنِينَ ) * أو حال من ضميره ، والصفد القيد . وقيل الغل قال سلامة بن جندل : وزيد الخيل قد لاقى صفادا * يعضّ بساعد وبعظم ساق وأصله الشد . * ( سَرابِيلُهُمْ ) * قمصانهم . * ( مِنْ قَطِرانٍ ) * وجاء قطران لغتين فيه ، وهو ما يتحلب من الأبهل فيطبخ فتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحدته ، وهو أسود منتن تشتعل فيه النار بسرعة تطلى به جلود أهل النار حتى يكون طلاؤه لهم كالقمص ، ليجتمع عليهم لذع القطران ووحشة لونه ونتن ريحه مع إسراع النار في جلودهم ، على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين ، ويحتمل أن يكون تمثيلا لما يحيط بجوهر النفس من الملكات الرديئة والهيئات الوحشية فيجلب إليها أنواعا من الغموم والآلام ، وعن يعقوب * ( قَطِرانٍ ) * والقطر النحاس أو الصفر المذاب والآني المتناهي حره ، والجملة حال ثانية أو حال من الضمير في * ( مُقَرَّنِينَ ) * . * ( وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) * وتتغشاها لأنهم لم يتوجهوا بها إلى الحق ولم يستعملوا في تدبره مشاعرهم وحواسهم التي خلقت فيها لأجله ، كما تطلع على أفئدتهم لأنها فارغة عن المعرفة مملوءة بالجهالات ونظيره قوله تعالى : * ( أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِه سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * وقوله تعالى : * ( يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ) * .
لِيَجْزِيَ اللَّه كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّه سَرِيعُ الْحِسابِ ( 51 ) * ( لِيَجْزِيَ اللَّه كُلَّ نَفْسٍ ) * أي يفعل بهم ذلك ليجزي كل نفس مجرمة . * ( ما كَسَبَتْ ) * أو كل نفس من مجرمة أو مطيعة لأنه إذا بين أن المجرمين يعاقبون لإجرامهم علم أن المطيعين يثابون لطاعتهم ، ويتعين ذلك أن علق اللام ب * ( بَرَزُوا ) * . * ( إِنَّ اللَّه سَرِيعُ الْحِسابِ ) * لأنه لا يشغله حساب عن حساب .
هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِه ولِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِله واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُوا الأَلْبابِ ( 52 ) * ( هذا ) * إشارة إلى القرآن أو السورة أو ما فيه العظة والتذكير أو ما وصفه من قوله : ولا * ( تَحْسَبَنَّ اللَّه ) * . * ( بَلاغٌ لِلنَّاسِ ) * كفاية لهم في الموعظة . * ( ولِيُنْذَرُوا بِه ) * عطف على محذوف أي لينصحوا ولينذروا بهذا البلاغ ، فتكون اللام متعلقة بالبلاغ ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف تقديره : ولينذروا به أنزل أو تلي . وقرئ بفتح الياء من نذر به إذا علمه واستعد له . * ( وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِله واحِدٌ ) * بالنظر والتأمل فيما فيه من الآيات الدالة عليه أو المنبهة على ما يدل عليه * ( ولِيَذَّكَّرَ أُولُوا الأَلْبابِ ) * فيرتدعوا عما يرديهم ويتدرعوا بما يحظيهم ، واعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر لهذا
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 204 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي