تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( 37 ) * ( رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي ) * أي بعض ذريتي أو ذرية من ذريتي فحذف المفعول وهم إسماعيل ومن ولد منه فإن إسكانه متضمن لإسكانهم . * ( بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) * يعني وادي مكة فإنها حجرية لا تنبت . * ( عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) * الذي حرمت التعرض له والتهاون به ، أو لم يزل معظما ممنعا يهابه الجبابرة ، أو منع منه الطوفان فلم يستول عليه ولذلك سمي عتيقا أي أعتق منه . ولو دعا بهذا الدعاء أول ما قدم فلعله قال ذلك باعتبار ما كان أو ما سيؤول إليه . روي أن هاجر كانت لسارة رضي اللَّه عنها فوهبتها لإبراهيم عليه السلام فولدت منه إسماعيل عليه السلام ، فغارت عليهما فناشدته أن يخرجهما من عندها فأخرجهما إلى أرض مكة فأظهر اللَّه عين زمزم ، ثم إن جرهم رأوا ثم طيورا فقالوا لا طير إلا على الماء ، فقصدوه فرأوهما وعندهما عين فقالوا أشركينا في مائك نشركك في ألباننا ففعلت . * ( رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ) * اللام لام كي وهي متعلقة ب * ( أَسْكَنْتُ ) * أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع من كل مرتفق ومرتزق إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم . وتكرير النداء وتوسيطه للإشعار بأنها المقصودة بالذات من إسكانهم ثمة ، والمقصود من الدعاء توفيقهم لها . وقيل لام الأمر والمراد هو الدعاء لهم بإقامة الصلاة كأنه طلب منهم الإقامة وسأل من اللَّه تعالى أن يوفقهم لها . * ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ ) * أي أفئدة من أفئدة الناس ، و * ( مِنْ ) * للتبعيض ولذلك قيل لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليهم فارس والروم ولحجت اليهود والنصارى ، أو للابتداء كقولك : القلب مني سقيم أي أفئدة ناس . وقرأ هشام « أفئيدة » بخلف عنه بياء بعد الهمزة . وقرئ « آفدة » وهو يحتمل أن يكون مقلوب « أفئدة » كآدر في أدؤر وأن يكون اسم فاعل من أفدت الرحلة إذا عجلت أي جماعة يعجلون نحوهم « وأفدة » بطرح الهمزة للتخفيف ، وإن كان الوجه فيه إخراجها بين بين ويجوز أن يكون من أفد . * ( تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) * تسرع إليهم شوقا وودادا . وقرئ « تهوى » على البناء للمفعول من أهوى إليه غيره و « تهوى » من هوى يهوي إذا أحب ، وتعديته بإلى لتضمنه معنى النزوع . * ( وارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ ) * مع سكناهم واديا لا نبات فيه . * ( لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) * تلك النعمة ، فأجاب اللَّه عز وجل دعوته فجعله حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء حتى توجد فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد .
رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلَى اللَّه مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ ولا فِي السَّماءِ ( 38 ) الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ( 39 ) * ( رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ ) * تعلم سرنا كما تعلم علننا ، والمعنى إنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا وأرحم بنا منا بأنفسنا ، فلا حاجة لنا إلى الطلب لكنا ندعوك إظهارا لعبوديتك وافتقارا إلى رحمتك واستعجالا لنيل ما عندك . وقيل ما نخفي من وجد الفرقة وما نعلن من التضرع إليك والتوكل عليك ، وتكرير النداء للمبالغة في التضرع واللجأ إلى اللَّه تعالى . * ( وما يَخْفى عَلَى اللَّه مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ ولا فِي السَّماءِ ) * لأنه العالم بعلم ذاتي يستوي نسبته إلى كل معلوم ، ومن للاستغراق . * ( الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ ) * أي وهب لي وأنا كبير آيس من الولد ، قيد الهبة بحال الكبر استعظاما للنعمة وإظهارا لما فيها من آلائه . * ( إِسْماعِيلَ وإِسْحاقَ ) * . روي أنه ولد له إسماعيل لتسع وتسعين سنة وإسحاق لمائة واثنتي عشرة سنة . * ( إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ) * أي لمجيبه من قولك سمع الملك كلامي إذا اعتد به ، وهو من أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل أضيف إلى مفعوله أو فاعله على إسناد السماع إلى دعاء اللَّه تعالى على المجاز ، وفيه إشعار بأنه دعا ربه وسأل منه الولد فأجابه ووهب له سؤله حين ما وقع اليأس منه ليكون من أجل النعم وأجلاها .