تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُه عَنْ نَفْسِه وإِنَّه لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 51 ) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْه بِالْغَيْبِ وأَنَّ اللَّه لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ( 52 ) . * ( قالَ ما خَطْبُكُنَّ ) * قال الملك لهن ما شأنكن والخطب أمر يحق أن يخاطب فيه صاحبه . * ( إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِه قُلْنَ حاشَ لِلَّه ) * تنزيه له وتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله . * ( ما عَلِمْنا عَلَيْه مِنْ سُوءٍ ) * من ذنب . * ( قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ ) * ثبت واستقر من حصحص البعير إذا ألقى مباركة ليناخ قال : فحصحص في صمّ الصفا ثفناته * وناء بسلمى نوأة ثمّ صمّما أو ظهر من حص شعره إذا استأصله بحيث ظهرت بشرة رأسه . وقرئ على البناء للمفعول . * ( أَنَا راوَدْتُه عَنْ نَفْسِه وإِنَّه لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) * في قوله : * ( هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ) * * ( ذلِكَ لِيَعْلَمَ ) * قاله يوسف لما عاد إليه الرسول وأخبره بكلامهن أي ذلك التثبت ليعلم العزيز . * ( أَنِّي لَمْ أَخُنْه بِالْغَيْبِ ) * بظهر الغيب وهو حال من الفاعل أو المفعول أي لم أخنه وأنا غائب عنه ، أو وهو غائب عني أو ظرف أي بمكان الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة . * ( وأَنَّ اللَّه لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ) * لا ينفذه ولا يسدده ، أو لا يهدي الخائنين بكيدهم فأوقع الفعل على الكيد مبالغة . وفيه تعريض براعيل في خيانتها زوجها وتوكيد لأمانته ولذلك عقبه بقوله :
وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 53 ) * ( وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ) * أي لا أنزهها تنبيها على أنه لم يرد بذلك تزكية نفسه والعجب بحاله ، بل إظهار ما أنعم اللَّه عليه من العصمة والتوفيق . وعن ابن عباس أنه لما قال : * ( لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْه بِالْغَيْبِ ) * قال له جبريل ولا حين هممت فقال ذلك . * ( إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) * من حيث إنها بالطبع مائلة إلى الشهوات فتهم بها ، وتستعمل القوى والجوارح في أثرها كل الأوقات . * ( إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي ) * إلا وقت رحمة ربي ، أو إلا ما رحمه اللَّه من النفوس فعصمه من ذلك . وقيل الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة . وقيل الآية حكاية قول راعيل والمستثنى نفس يوسف وأضرابه . وعن ابن كثير ونافع * ( بِالسُّوءِ ) * على قلب الهمزة واوا ثم الإدغام . * ( إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * يغفر همّ النفس ويرحم من يشاء بالعصمة أو يغفر للمستغفر لذنبه المعترف على نفسه ويرحمه ما استغفره واسترحمه مما ارتكبه .
وقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِه أَسْتَخْلِصْه لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَه قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 ) * ( وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِه أَسْتَخْلِصْه لِنَفْسِي ) * أجعله خالصا لنفسي . * ( فَلَمَّا كَلَّمَه ) * أي فلما أتوا به فكلمه وشاهد منه الرشد والدهاء . * ( قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ ) * ذو مكانة ومنزلة . * ( أَمِينٌ ) * مؤتمن على كل شيء . روي أنه لما خرج من السجن اغتسل وتنظف ولبس ثيابا جددا ، فلما دخل على الملك قال : اللهم إني أسألك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ، ثم سلم عليه ودعا له بالعبرية فقال الملك : ما هذا اللسان قال : لسان آبائي ، وكان الملك يعرف سبعين لسانا فكلمه بها فأجابه بجميعها فتعجب منه فقال : أحب أن أسمع رؤياي منك ، فحكاها ونعت له البقرات والسنابل وأماكنها على ما رآها فأجلسه على السرير وفوض إليه أمره . وقيل توفي قطفير في تلك الليالي فنصبه منصبه وزوج منه راعيل فوجدها عذراء وولد له منها أفرائيم وميشا .
قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ( 55 ) وكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها