تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
* ( يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ) * أي فأرسل إلى يوسف فجاءه فقال يا يوسف ، وإنما وصفه بالصديق وهو المبالغ في الصدق لأنه جرب أحواله وعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه . * ( أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ ) * أي في رؤيا ذلك . * ( لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ ) * أعود إلى الملك ومن عنده ، أو إلى أهل البلد إذ قيل إن السجن لم يكن فيه . * ( لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ) * تأويلها أو فضلك ومكانك ، وإنما لم يبت الكلام فيهما لأنه لم يكن جازما بالرجوع فربما اخترم دونه ولا يعلمهم .
قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوه فِي سُنْبُلِه إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ( 47 ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ( 48 ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيه يُغاثُ النَّاسُ وفِيه يَعْصِرُونَ ( 49 ) * ( قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً ) * أي على عادتكم المستمرة وانتصابه على الحال بمعنى دائبين ، أو المصدر بإضمار فعله أي تدأبون دأبا وتكون الجملة حالا . وقرأ حفص * ( دَأَباً ) * بفتح الهمزة وكلاهما مصدر دأب في العمل . وقيل * ( تَزْرَعُونَ ) * أمر أخرجه في صورة الخبر مبالغة لقوله : * ( فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوه فِي سُنْبُلِه ) * لئلا يأكله السوس ، وهو على الأول نصيحة خارجة عن العبارة . * ( إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ) * في تلك السنين . * ( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ) * أي يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن فأسند إليهن على المجاز تطبيقا بين المعبر والمعبر به . * ( إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ) * تحرزون لبذور الزراعة . * ( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيه يُغاثُ النَّاسُ ) * يمطرون من الغيث أو يغاثون من القحط من الغوث . * ( وَفِيه يَعْصِرُونَ ) * ما يعصر كالعنب والزيتون لكثرة الثمار . وقيل يحلبون الضروع . وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على تغليب المستفتي ، وقرئ على بناء المفعول من عصره إذا أنجاه ويحتمل أن يكون المبني للفاعل منه أي يغيثهم اللَّه ويغيث بعضهم بعضا ، أو من أعصرت السحابة عليهم فعدي بنزع الخافض أو بتضمينه معنى المطر . وهذه بشارة بشرهم بها بعد أن أول البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة والعجاف واليابسات بسنين مجدبة ، وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة ، ولعله علم ذلك بالوحي أو بأن انتهاء الجدب بالخصب ، أو بأن السنة الإلهية على أن يوسع على عباده بعد ما ضيق عليهم .
وقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِه فَلَمَّا جاءَه الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْه ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ( 50 ) * ( وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِه ) * بعد ما جاءه الرسول بالتعبير * ( فَلَمَّا جاءَه الرَّسُولُ ) * ليخرجه . * ( قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْه ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ) * إنما تأنى في الخروج وقدم سؤال النسوة وفحص حالهن لتظهر براءة ساحته ويعلم أنه سجن ظلما فلا يقدر الحاسد أن يتوسل به إلى تقبيح أمره . وفيه دليل على أنه ينبغي أن يجتهد في نفي التهم ويتقى مواقعها . وعن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « لو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة » وإنما قال * ( فَسْئَلْه ما بالُ النِّسْوَةِ ) * ولم يقل فاسأله أن يفتش عن حالهن تهييجا له على البحث وتحقيق الحال ، وإنما لم يتعرض لسيدته مع ما صنعت به كرما ومراعاة للأدب وقرئ « النسوة » بضم النون . * ( إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ) * حين قلن لي أطع مولاتك ، وفيه تعظيم كيدهن والاستشهاد بعلم اللَّه عليه وعلى أنه بريء مما قذف به والوعيد لهن على كيدهن .
قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِه قُلْنَ حاشَ لِلَّه ما عَلِمْنا عَلَيْه مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 166 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي