تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
* ( قالَ رَبِّ السِّجْنُ ) * وقرأ يعقوب بالفتح على المصدر . * ( أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْه ) * أي آثر عندي من مؤاتاتها زنا نظرا إلى العاقبة وإن كان هذا مما تشتهيه النفس وذلك مما تكرهه ، وإسناد الدعوة إليهن جميعا لأنهن خوفنه من مخالفتها وزين له مطاوعتها . أو دعونه إلى أنفسهن ، وقيل إنما ابتلي بالسجن لقوله هذا وإنما كان الأولى به أن يسأل اللَّه العافية ولذلك رد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على من كان يسأل الصبر . * ( وإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي ) * وإن لم تصرف عني . * ( كَيْدَهُنَّ ) * في تحبيب ذلك إليّ وتحسينه عندي بالتثبيت على العصمة . * ( أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ) * أمل إلى جانبهن أو إلى أنفسهن بطبعي ومقتضى شهوتي ، والصبوة الميل إلى الهوى ومنه الصبا لأن النفوس تستطيبها وتميل إليها . وقرئ * ( أَصْبُ ) * من الصبابة وهي الشوق . * ( وأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ) * من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه فإن الحكيم لا يفعل القبيح ، أو من الذين لا يعملون بما يعلمون فإنهم والجهال سواء . * ( فَاسْتَجابَ لَه رَبُّه ) * فأجاب اللَّه دعاءه الذي تضمنه قوله : * ( وإِلَّا تَصْرِفْ ) * . * ( فَصَرَفَ عَنْه كَيْدَهُنَّ ) * فثبته بالعصمة حتى وطن نفسه على مشقة السجن وآثرها على اللذة المتضمنة للعصيان . * ( إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ ) * لدعاء الملتجئين إليه . * ( الْعَلِيمُ ) * بأحوالهم وما يصلحهم .
ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّه حَتَّى حِينٍ ( 35 ) ودَخَلَ مَعَه السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وقالَ الآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْه نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِه إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 36 ) * ( ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ ) * ثم ظهر للعزيز وأهله من بعد ما رأوا الشواهد الدالة على براءة يوسف كشهادة الصبي وقد القميص وقطع النساء أيديهن واستعصامه عنهن وفاعل * ( بَدا ) * مضمر يفسره . * ( لَيَسْجُنُنَّه حَتَّى حِينٍ ) * وذلك لأنها خدعت زوجها وحملته على سجنه زمانا حتى تبصر ما يكون منه ، أو يحسب الناس أنه المجرم فلبث في السجن سبع سنين . وقرئ بالتاء على أن بعضهم خاطب به العزيز على التعظيم أو العزيز ومن يليه ، و « عتى » بلغة هذيل . * ( وَدَخَلَ مَعَه السِّجْنَ فَتَيانِ ) * أي أدخل يوسف السجن واتفق أنه أدخل حينئذ آخران من عبيد الملك شرابيه وخبازه للاتهام بأنهما يريدان أن يسماه . * ( قالَ أَحَدُهُما ) * يعني الشرابي . * ( إِنِّي أَرانِي ) * أي في المنام وهي حكاية حال ماضية . * ( أَعْصِرُ خَمْراً ) * أي عنبا وسماه خمرا باعتبار ما يؤول إليه . * ( وقالَ الآخَرُ ) * أي الخباز . * ( إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْه ) * تنهش منه . * ( نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِه إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) * من الذين يحسنون تأويل الرؤيا ، أو من العالمين وإنما قالا ذلك لأنهما رأياه في السجن يذكر الناس ويعبر رؤياهم ، أو من المحسنين إلى أهل السجن فأحسن إلينا بتأويل ما رأينا إن كنت تعرفه .
قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِه إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِه قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه وهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 37 ) واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وإِسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّه مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّه عَلَيْنا وعَلَى النَّاسِ ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 38 ) * ( قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِه إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِه ) * أي بتأويل ما قصصتما علي ، أو بتأويل الطعام يعني بيان ماهيته وكيفيته فإنه يشبه تفسير المشكل ، كأنه أراد أن يدعوهما إلى التوحيد ويرشدهما إلى الطريق القويم قبل أن يسعف إلى ما سألاه منه كما هو طريقة الأنبياء والنازلين منازلهم من العلماء في الهداية والإرشاد ، فقدم ما يكون معجزة له من الإخبار بالغيب ليدلهما على صدقه في الدعوة والتعبير . * ( قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما ) * أي