تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
مجازيكم عليه ، وهو في معنى التعليل للأمر والنهي . وفي الآية دليل على وجوب اتباع النصوص من غير تصرف وانحراف بنحو قياس واستحسان .
ولا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّه مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 113 ) * ( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) * ولا تميلوا إليهم أدنى ميل فإن الركون هو الميل اليسير كالتزيي بزيهم وتعظيم ذكرهم واستدامته . * ( فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) * بركونكم إليهم وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلما كذلك فما ظنك بالركون إلى الظالمين أي الموسومين بالظلم ، ثم بالميل إليهم كل الميل ، ثم بالظلم نفسه والانهماك فيه ، ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه ، وخطاب الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ومن معه من المؤمنين بها للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل ، فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط وتفريط فإنه ظلم على نفسه أو غيره بل ظلم في نفسه . وقرئ « تركنوا » « فتمسّكم » بكسر التاء على لغة تميم و « تركنوا » على البناء للمفعول من أركنه . * ( وما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّه مِنْ أَوْلِياءَ ) * من أنصار يمنعون العذاب عنكم والواو للحال . * ( ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) * أي ثم لا ينصركم اللَّه إذ سبق في حكمه أن يعذبكم ولا يبقي عليكم ، وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه وأوجبه لهم ، ويجوز أن يكون منزلا منزلة الفاء لمعنى الاستبعاد ، فإنه لما بين أن اللَّه معذبهم وأن غيره لا يقدر على نصرهم أنتج ذلك أنهم لا ينصرون أصلا .
وأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ( 114 ) واصْبِرْ فَإِنَّ اللَّه لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 115 ) * ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ) * غدوة وعشية وانتصابه على الظرف لأنه مضاف إليه . * ( وزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ ) * وساعات منه قريبة من النهار ، فإنه من أزلفه إذا قربه وهو جمع زلفة ، وصلاة الغداة صلاة الصبح لأنها أقرب الصلاة من أول النهار ، وصلاة العشية صلاة العصر ، وقيل الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشي وصلاة الزلف المغرب والعشاء . وقرئ « زلفا » بضمتين وضمة وسكون كبسر وبسر في بسرة و « زلفى » بمعنى زلفة كقربى وقربة . * ( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) * يكفرنها . وفي الحديث « إن الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر » وفي سبب النزول « أن رجلا أتى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال إني قد أصبت من امرأة غير أني لم آتها فنزلت » . * ( ذلِكَ ) * إشارة إلى قوله * ( فَاسْتَقِمْ ) * وما بعده وقيل إلى القرآن . * ( ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ) * عظة للمتعظين . * ( وَاصْبِرْ ) * على الطاعات وعن المعاصي . * ( فَإِنَّ اللَّه لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) * عدول عن الضمير ليكون كالبرهان على المقصود ودليلا على أن الصلاة والصبر إحسان وإيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإخلاص .
فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيه وكانُوا مُجْرِمِينَ ( 116 ) وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وأَهْلُها مُصْلِحُونَ ( 117 ) * ( فَلَوْ لا كانَ ) * فهلا كان . * ( مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ ) * من الرأي والعقل ، أو أولو فضل وإنما سمي * ( بَقِيَّةٍ ) * لأن الرجل يستبقي أفضل ما يخرجه ، ومنه يقال فلان من بقية القوم أي من خيارهم ، ويجوز أن يكون مصدرا كالتقية أي ذوو إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من العذاب ، ويؤيده أنه قرئ « بقية » وهي المرة
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 151 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي