تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
الروحاء ندموا وهموا بالرجوع ، فبلغ ذلك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فندب أصحابه للخروج في طلبه وقال لا يخرجن معنا إلا من حضر يومنا بالأمس ، فخرج عليه الصلاة والسلام مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد . وهي على ثمانية أميال من المدينة . وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر ، وألقى اللَّه الرعب في قلوب المشركين فذهبوا ) فنزلت .
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وقالُوا حَسْبُنَا اللَّه ونِعْمَ الْوَكِيلُ ( 173 ) * ( الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ ) * يعني الركب الذين استقبلوهم من عبد قيس أو نعيم بن مسعود الأشجعي ، وأطلق عليه الناس لأنه من جنسهم كما يقال فلان يركب الخيل وماله إلا فرس واحد لأنه انضم إليه ناس من المدينة وأذاعوا كلامه . * ( إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ) * يعني أبا سفيان وأصحابه روي : أنه نادى عند انصرافه من أحد : يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت فقال عليه الصلاة والسلام : إن شاء اللَّه تعالى ، فلما كان القابل خرج في أهل مكة حتى نزل بمر الظهران فأنزل اللَّه الرعب في قلبه وبدا له أن يرجع ، فمر به ركب من عبد قيس يريدون المدينة للميرة فشرط لهم حمل بعير من زبيب أن ثبطوا المسلمين . وقيل : لقي نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فسأله ذلك والتزم له عشرا من الإبل ، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم أتوكم في دياركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريد أفترون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم ففتروا ، فقال عليه السلام : والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد فخرج في سبعين راكبا وهم يقولون حسبنا اللَّه . * ( فَزادَهُمْ إِيماناً ) * الضمير المستكن للمقول أو لمصدر قال أو لفاعله إن أريد به نعيم وحده ، والبارز للمقول لهم والمعنى : إنهم لم يلتفتوا إليه ولم يضعفوا بل ثبت به يقينهم باللَّه وازداد إيمانهم وأظهروا حمية الإسلام وأخلصوا النية عنده ، وهو دليل على أن الإيمان يزيد وينقص ويعضده قول ابن عمر رضي اللَّه عنهما ( قلنا يا رسول اللَّه الإيمان يزيد وينقص ، قال : نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار ) وهذا ظاهر إن جعل الطاعة من جملة الإيمان وكذا إن لم تجعل فإن اليقين يزداد بالإلف وكثرة التأمل وتناصر الحجج . * ( وقالُوا حَسْبُنَا اللَّه ) * محسبنا وكافينا ، من أحسبه إذا كفاه ويدل على أنه بمعنى المحسب إنه لا يستفيد بالإضافة تعريفا في قولك هذا رجل حسبك . * ( ونِعْمَ الْوَكِيلُ ) * ونعم الموكول إليه هو .
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّه وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّه واللَّه ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ( 174 ) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَه فَلا تَخافُوهُمْ وخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 175 ) * ( فَانْقَلَبُوا ) * فرجعوا من بدر . * ( بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّه ) * عافية وثبات على الإيمان وزيادة فيه . * ( وفَضْلٍ ) * وربح في التجارة فإنهم لما أتوا بدرا وأوفوا بها سوقا فاتجروا وربحوا . * ( لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ) * من جراحة وكيد عدو . * ( وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّه ) * الذي هو مناط الفوز بخير الدارين بجراءتهم وخروجهم . * ( واللَّه ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) * قد تفضل عليهم بالتثبيت وزيادة الإيمان والتوفيق للمبادرة إلى الجهاد ، والتصلب في الدين وإظهار الجراءة على العدو ، وبالحفظ عن كل ما يسوءهم ، وإصابة النفع مع ضمان الأجر حتى انقلبوا بنعمة من اللَّه وفضل . وفيه تحسير للمتخلف وتخطئة رأيه حيث حرم نفسه ما فازوا به . * ( إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ ) * يريد به المثبط نعيما أو أبا سفيان ، والشيطان خبر * ( ذلِكُمُ ) * وما بعده بيان لشيطنته أو صفته وما بعده خبر ، ويجوز أن تكون الإشارة إلى قوله على تقدير مضاف أي إنما ذلكم قول الشيطان يعني إبليس عليه اللعنة . * ( يُخَوِّفُ أَوْلِياءَه ) * القاعدين عن الخروج مع الرسول ، أو يخوفكم أولياؤه الذين هم
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 49 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي