تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
على دفع القتل عمن كتب عليه فادفعوا عن أنفسكم الموت وأسبابه ، فإنه أحرى بكم ، والمعنى أن القعود غير مغن عن الموت ، فإن أسباب الموت كثيرة كما أن القتال يكون سببا للهلاك والقعود سببا للنجاة قد يكون الأمر بالعكس .
ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) * ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه أَمْواتاً ) * نزلت في شهداء أحد . وقيل في شهداء بدر والخطاب لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أو لكل أحد . وقرئ بالياء على إسناده إلى ضمير الرسول ، أو من يحسب أو إلى الذين قتلوا . والمفعول الأول محذوف لأنه في الأصل مبتدأ جائز الحذف عند القرينة . وقرأ ابن عامر * ( قُتِلُوا ) * بالتشديد لكثرة المقتولين . * ( بَلْ أَحْياءٌ ) * أي بل هم أحياء . وقرئ بالنصب على معنى بل أحسبهم أحياء * ( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) * ذوو زلفى منه . * ( يُرْزَقُونَ ) * من الجنة وهو تأكيد لكونهم أحياء .
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّه مِنْ فَضْلِه ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 170 ) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّه وفَضْلٍ وأَنَّ اللَّه لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ( 171 ) * ( فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّه مِنْ فَضْلِه ) * وهو شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية والقرب من اللَّه تعالى والتمتع بنعيم الجنة . * ( ويَسْتَبْشِرُونَ ) * يسرون بالبشارة . * ( بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ ) * أي بإخوانهم المؤمنين الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم . * ( مِنْ خَلْفِهِمْ ) * أي الذين من خلفهم زمانا أو رتبة . * ( أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ ) * بدل من الذين والمعنى : إنهم يستبشرون بما تبين لهم من أمر الآخرة وحال من تركوا من خلفهم من المؤمنين ، وهو إنهم إذا ماتوا أو قتلوا كانوا أحياء حياة لا يكدرها خوف وقوع محذور ، وحزن فوات محبوب . والآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس بل هو جوهر مدرك بذاته لا يفنى بخراب البدن ، ولا يتوقف عليه إدراكه وتألمه والتذاذه ، ويؤيد ذلك قوله تعالى في آل فرعون النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها ) * الآية وما روى ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال « أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش » . ومن أنكر ذلك ولم ير الروح إلا ريحا وعرضا قال هم أحياء يوم القيامة ، وإنما وصفوا به في الحال لتحققه ودنوه أو أحياء بالذكر أو بالإيمان . وفيها حث على الجهاد وترغيب في الشهادة وبعث على ازدياد الطاعة وإحماد لمن يتمنى لإخوانه مثل ما أنعم عليه ، وبشرى للمؤمنين بالفلاح . * ( يَسْتَبْشِرُونَ ) * كرره للتأكيد وليعلق به ما هو بيان لقوله : * ( أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) * ويجوز أن يكون الأول بحال إخوانهم وهذا بحال أنفسهم . * ( بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّه ) * ثوابا لأعمالهم . * ( وفَضْلٍ ) * زيادة عليه كقوله تعالى : * ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وزِيادَةٌ ) * وتنكيرهما للتعظيم . * ( وأَنَّ اللَّه لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) * من جملة المستبشر به عطف على فضل . وقرأ الكسائي بالكسر على أنه استئناف معترض دال على أن ذلك أجر لهم على إيمانهم مشعر بأن من لا إيمان له أعماله محبطة وأجوره مضيعة .
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّه والرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ واتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 172 ) * ( الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّه والرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ ) * صفة للمؤمنين ، أو نصب على المدح أو مبتدأ خبره . * ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ واتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ) * بجملته ومن للبيان ، والمقصود من ذكر الوصفين المدح والتعليل لا التقييد ، لأن المستجيبين كلهم محسنون متقون . روي ( أن أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا فبلغوا