تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
* ( وغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ) * ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم ، فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات المخدجة ، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذير للسامعين من مثل حالهم .
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وأَهْلُها غافِلُونَ ( 131 ) ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 132 ) * ( ذلِكَ ) * إشارة إلى إرسال الرسل ، وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك . * ( أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وأَهْلُها غافِلُونَ ) * تعليل للحكم وأن مصدرية أو مخففة من الثقيلة أي : الأمر ذلك لانتفاء كون ربك أو لأن الشّأن لم يكن ربك مهلك أهل القرى بسبب ظلم فعلوه ، أو ملتبسين يظلم أو ظالما وهم غافلون لم ينبهوا برسول أو بدل من ذلك . * ( وَلِكُلٍّ ) * من المكلفين . * ( دَرَجاتٌ ) * مراتب * ( مِمَّا عَمِلُوا ) * من أعمالهم أو من جزائها ، أو من أجلها * ( وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) * فيخفى عليه عمل أو قدر ما يستحق به من ثواب أو عقاب . وقرأ ابن عامر بالتاء على تغليب الخطاب على الغيبة .
ورَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ويَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ( 133 ) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لآتٍ وما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 134 ) * ( وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ) * عن العباد والعبادة . * ( ذُو الرَّحْمَةِ ) * يترحم عليهم بالتكليف تكميلا لهم ويمهلهم على المعاصي ، وفيه تنبيه على أن ما سبق ذكره من الإرسال ليس لنفعه بل لترحمه على العباد وتأسيس لما بعده وهو قوله : * ( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ) * أي ما به إليكم حاجة * ( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ) * أيها العصاة . * ( ويَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ ) * من الخلق . * ( كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ) * أي قرنا بعد قرن لكنه أبقاكم ترحما عليكم . * ( إِنَّ ما تُوعَدُونَ ) * من البعث وأحواله . * ( لآتٍ ) * لكائن لا محالة . * ( وما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) * طالبكم به .
قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَه عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّه لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 135 ) * ( قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ) * على غاية تمكنكم واستطاعتكم يقال مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن ، أو على ناحيتكم وجهتكم التي أنتم عليها من قولهم مكان ومكانة كمقام ومقامة . وقرأ أبو بكر عن عاصم مكاناتكم بالجمع في كل القرآن وهو أمر تهديد ، والمعنى : اثبتوا على كفركم وعداوتكم . * ( إِنِّي عامِلٌ ) * ما كنت عليه من المصابرة والثبات على الإسلام ، والتهديد بصيغة الأمر مبالغة في الوعيد كأن المهدد يريد تعذيبه مجمعا عليه فيحمله بالأمر على ما يفضي به ، إليه ، وتسجيل بأن المهدد لا يتأتى منه إلا الشر كالمأمور به الذي لا يقدر أن ينقضي عنه . * ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَه عاقِبَةُ الدَّارِ ) * إن جعل * ( مَنْ ) * استفهامية بمعنى أينا تكون له عاقبة الدار الحسنى التي خلق اللَّه لها هذه الدار ، فمحلها الرفع وفعل العلم معلق عنه وإن جعلت خبرية فالنصب ب * ( تَعْلَمُونَ ) * أي فسوف تعرفون الذي تكون له عاقبة الدار ، وفيه مع الإنذار إنصاف في المقال وحسن الأدب ، وتنبيه على وثوق المنذر بأنه محق . وقرأ حمزة والكسائي يكون بالياء لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي . * ( إِنَّه لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) * وضع الظالمين موضع الكافرين لأنه أعم وأكثر فائدة .
وجَعَلُوا لِلَّه مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ والأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّه بِزَعْمِهِمْ وهذا