تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
والكسائي * ( لا يُكَذِّبُونَكَ ) * من أكذبه إذا وجده كاذبا ، أو نسبه إلى الكذب . * ( ولكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّه يَجْحَدُونَ ) * ولكنهم يجحدون بآيات اللَّه ويكذبونها ، فوضع الظالمين موضع الضمير للدلالة على أنهم ظلموا بجحودهم ، أو جحدوا لتمرنهم على الظلم ، والباء لتضمين الجحود معنى التكذيب . روي أن أبا جهل كان يقول : ما نكذبك وإنك عندنا لصادق وإنما نكذب ما جئتنا به . فنزلت .
ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّه ولَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 ) * ( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ) * تسلية لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وفيه دليل على أن قوله : * ( لا يُكَذِّبُونَكَ ) * ، ليس لنفي تكذيبه مطلقا . * ( فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا ) * على تكذيبهم وإيذائهم فتأس بهم واصبر . * ( حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا ) * فيه إيماء بوعد النصر للصابرين . * ( ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّه ) * لمواعيده من قوله : * ( ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ) * الآيات . * ( ولَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ ) * أي بعض قصصهم وما كابدوا من قومهم .
وإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللَّه لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 35 ) * ( وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ ) * عظم وشقّ * ( إِعْراضُهُمْ ) * عنك وعن الإيمان بما جئت به . * ( فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ) * منفذا تنفذ فيه إلى جوف الأرض فتطلع لهم آية ، أو مصعدا تصعد به إلى السماء فتنزل منها آية ، وفي الأرض صفة لنفقا وفي السماء صفة لسلَّما ، ويجوز أن يكونا متعلقين بتبتغي ، أو حالين من المستكن وجواب الشرط الثاني محذوف تقديره فافعل ، والجملة جواب الأول والمقصود بيان حرصه البالغ على إسلام قومه ، وأنه لو قدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم * ( ولَوْ شاءَ اللَّه لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ) * أي ولو شاء اللَّه جمعهم على الهدى لوفقهم للإيمان حتى يؤمنوا ولكن لم تتعلق به مشيئته ، فلا تتهالك عليه والمعتزلة أولوه بأنه لو شاء لجمعهم على الهدى بأن يأتيهم بآية ملجئة ولكن لم يفعل لخروجه عن الحكمة . * ( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ) * بالحرص على ما لا يكون ، والجزع في مواطن الصبر فإن ذلك من دأب الجهلة .
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّه ثُمَّ إِلَيْه يُرْجَعُونَ ( 36 ) وقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْه آيَةٌ مِنْ رَبِّه قُلْ إِنَّ اللَّه قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 ) * ( إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ) * إنما يجيب الذين يسمعون بفهم وتأمل لقوله : * ( أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ ) * وهؤلاء كالموتى الذين لا يسمعون . * ( والْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّه ) * فيعلمهم حين لا ينفعهم الإيمان . * ( ثُمَّ إِلَيْه يُرْجَعُونَ ) * للجزاء . * ( وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْه آيَةٌ مِنْ رَبِّه ) * أي آية بما اقترحوه ، أو آية أخرى سوى ما أنزل من الآيات المتكاثرة لعدم اعتدادهم بها عنادا . * ( قُلْ إِنَّ اللَّه قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً ) * مما اقترحوه ، أو آية تضطرهم إلى الإيمان كنتق الجبل ، أو آية إن جحدوها هلكوا . * ( ولكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) * أن اللَّه قادر على إنزالها ، وأن إنزالها يستجلب عليهم البلاء ، وأن لهم فيما أنزل مندوحة عن غيره . وقرأ ابن كثير * ( يُنَزِّلَ ) * بالتخفيف والمعنى واحد .
وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْه إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 38 )
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 160 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي