تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
أن من قدر على ذلك قدر على معاقبة الذل والعز وإيتاء الملك ونزعه . والولوج : الدخول في مضيق . وإيلاج الليل والنهار : إدخال أحدهما في الآخر بالتعقيب أو الزيادة والنقص . وإخراج الحي من الميت وبالعكس . إنشاء الحيوانات من موادها وإماتتها ، أو إنشاء الحيوان من النطفة والنطفة منه . وقيل : إخراج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر * ( الْمَيِّتِ ) * بالتخفيف .
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ومَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّه فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّه نَفْسَه وإِلَى اللَّه الْمَصِيرُ ( 28 ) * ( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ ) * نهوا عن موالاتهم لقرابة وصداقة جاهلية ونحوهما ، حتى لا يكون حبهم وبغضهم إلا في اللَّه ، أو عن الاستعانة بهم في الغزو وسائر الأمور الدينية . * ( مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) * إشارة إلى أنهم الأحقاء بالموالاة ، وأن في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفرة . * ( ومَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ) * أي اتخاذهم أولياء . * ( فَلَيْسَ مِنَ اللَّه فِي شَيْءٍ ) * أي من ولايته في شيء يصح أن يسمى ولاية ، فإن موالاتي المتعاديين لا يجتمعان قال : تودّ عدوي ثمّ تزعم أنّني * صديقك ليس النوك عنك بعازب * ( إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً ) * إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه ، أو اتقاء . والفعل معدى بمن لأنه في معنى تحذروا وتخافوا . وقرأ يعقوب « تقية » . منع عن موالاتهم ظاهرا وباطنا في الأوقات كلها إلا وقت المخافة ، فإن إظهار الموالاة حينئذ جائز كما قال عيسى عليه السلام : كن وسطا وامش جانبا . * ( ويُحَذِّرُكُمُ اللَّه نَفْسَه وإِلَى اللَّه الْمَصِيرُ ) * فلا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه وموالاة أعدائه ، وهو تهديد عظيم مشعر بتناهي النهي في القبح وذكر النفس ، ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه تعالى فلا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة .
قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوه يَعْلَمْه اللَّه ويَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ واللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 29 ) * ( قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوه يَعْلَمْه اللَّه ) * أي أنه يعلم ضمائركم من ولاية الكفار وغيرها إن تخفوها أو تبدوها . * ( ويَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ ) * فيعلم سركم وعلنكم . * ( واللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا عما نهيتم عنه . والآية بيان لقوله تعالى : * ( ويُحَذِّرُكُمُ اللَّه نَفْسَه ) * وكأنه قال ويحذركم نفسه لأنها متصفة بعلم ذاتي محيط بالمعلومات كلها ، وقدرة ذاتية تعم المقدورات بأسرها ، فلا تجسروا على عصيانه إذ ما من معصية إلا وهو مطلع عليها قادر على العقاب بها .
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وبَيْنَه أَمَداً بَعِيداً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّه نَفْسَه واللَّه رَؤُوفٌ بِالْعِبادِ ( 30 ) * ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وبَيْنَه أَمَداً بَعِيداً ) * * ( يَوْمَ ) * منصوب بتود أي تتمنى كل نفس يوم تجد صحائف أعمالها ، أو جزاء أعمالها من الخير والشر حاضرة لو أن بينها وبين ذلك اليوم ، وهو له أمدا بعيدا ، أو بمضمر نحو اذكر ، و * ( تَوَدُّ ) * حال من الضمير في عملت أو خبر لما عملت من سوء وتجد مقصور على * ( ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ ) * ، ولا تكون * ( ما ) * شرطية لارتفاع * ( تَوَدُّ ) * . وقرئ « ودت » وعلى هذا يصح أن تكون شرطية ولكن الحمل على الخبر أوقع معنى لأنه حكاية