تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
وإن شئت قلت : إن القرآن ليس كتاب مذكرات ولا من المختلقات الشائعة في عصرنا المهيأة للتمثيلية والمسرحية المسمى في لغة الأجانب ب‍ " رمان " ، فإن القرآن أعظم شأنا وأجل مقاما وأرفع درجة عند كافة الأنام وعامة الأعلام ، لأنه من الرب القادر العلام ، فعليه كيف يقول اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة ، فإن تلك النار مجرد خيال وتفكر شعري واستعمال جديد وتركيب غير مسبوق وغير مبين ، فالتهديد والإخافة من هذه النار ، لا يؤثر حق التأثير في أفق شبه جزيرة العرب ولا في سائر الآفاق ، لأنهم يظنون أنها نار لا واقعية لها ، لما لا عهد لهم بها ، ولا سبق خارجي - بل ولا ذهني - لهم بأمثالها وأشباهها ، فهذا خلاف البلاغة جدا بل والفصاحة . وقد أتى بها مرة سابقة على هذه المرة في سورة التحريم : * ( قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ) * ( 1 ) ، وتوهم جمع من المفسرين : أن الإتيان بها هنا معرفة لسبقها نكرة ، مما لا يخفى شناعته وانحطاطه ، لأن السؤال يتوجه إلى وجه التنكير في الآية الأولى ، وقد عرفت منا : أن القرآن ناظر بأحسن النظرة العالمية ، ويلاحظ بأتم الملاحظة العلمية جانبا واحدا ، وهو حسن التركيب وقبول الطباع ولطف الترنم والوقوع في الأسماع والقلوب حتى يخضعوا له في أسرع الأوقات الممكنة ، فيأتي بمعرفة أو نكرة ملاحظا فيه ذلك ، وهكذا في التقديم والتأخير والجمع والإفراد ، وربما يلعب بالقواعد العامة رعاية لهذه
هامش
1 - التحريم ( 66 ) : 6 .