وربما يظهر : أن " دون " ليس بمعنى مطلق الغير ، بل هو الغير الأدون ،
فيكون " دون " من الدني الأدون ، ومن الدنو والقرب ، فإطلاقه على الفوق
والوراء من باب أحد مصاديق القرب من الشئ ، كما أن إطلاق " دون " على
الخسيس لأجل كونه تارة من الدنو ، وأخرى من الدني ، وثالثة يطلق
على الشريف ، ولكنه قليل جدا ، فربما يكون من باب التهكم والاستهزاء ، كما
يقال للأسود : الماس .
وفي بنائه وصرفه خلاف ، فإن ذكر مع " من " فيكسر : إما لكونه
مجرورا بمن أو لبنائه ، وإذا ذكر بدونه فهو مفتوح على الأكثر ، وربما يتصرف
حسب العوامل عند بعض النحاة ، كالأخفش ( 1 ) ، وعليه بعض القراءات ( 2 ) .
ثم إن البحث حول " الصدق " وتعريفه ، و " الكذب " ومعناه ، وذكر
الأقوال فيهما ، يناسب المقام الآخر - إن شاء الله - كما لا يخفى على أهله .
وأما " الإتيان " فهو مصدر أتى يأتي أتيا وإتيانا ومأتاة ، لازم ومتعد ، أتى
الأمر فعله ، والمكان حضره ، والأمر منه " ايت " ، " اوت " وتصريفه : ت تيا
توا تين ، مثل ق قيا قوا ( 3 ) ، وقال الشاعر :
ت لي آل عوف فاندهم لي جماعة
إلى آخره ( 4 ) .
هامش
1 - البحر المحيط 1 : 102 .
2 - راجع البحر المحيط 1 : 102 ، والإتقان في علوم القرآن 2 : 230 .
3 - راجع أقرب الموارد 1 : 3 .
4 - البحر المحيط 1 : 101 ، تاج العروس 10 : 8 .