بأن من قدر عليها قدر على النشأة الثانية . والنشأة المرة من الانشاء ، كالضربة من
الضرب ، والانشاء إيجاد الشئ من غير سبب يولده ، ومثله الاختراع والابتداع .
ثم نبههم على طريق غيره فقال ( أفرأيتم ما تحرثون ) من الزرع ( أأنتم تزرعونه )
أي أأنتم تنبتونه وتجعلونه رزقا ( أم نحن الزارعون ) فان من قدر على إنبات
الزرع من الحبة الحقيرة وجعلها حبوبا كثيرة قدر على إعادة الخلق إلى ما كانوا
عليه . وقوله ( لو نشاء لجعلناه ) يعني ذات الزرع ( حطاما ) أي هشيما لا ينتفع
به في مطعم ولا غذاء لفعلنا . وقوله ( فظلتم تفكهون ) معناه قال ابن عباس ومجاهد
وقتادة - في رواية عنه - تعجبون . وقال الحسن وقتادة - في رواية - فظلتم تندمون
أي لو جعلناه حطاما لظلتم تندمون . والمعنى إنكم كنتم تتروحون إلى التندم ، كما
تتروح الفكه إلى الحديث بما يزيل الهم ، وأصله التفكه تناول ضروب الفاكهة للاكل ،
وقوله ( إنا لمغرمون ) المغرم الذي ذهب ماله بغير عوض عنه . وأصله
ذهاب المال بغير عوض ، فمنه الغريم لذهاب ماله بالاحتباس على المدين من غير عوض
منه في الاحتباس ، والغارم الذي عليه الدين الذي يطالبه به الغريم . ومنه قوله ( ان
عذابها كان غراما ) ( 1 ) أي ملحا دائما كالحاح الغريم . وقال الحسن : هو من
الغرم . وقال قتادة معنى ( لمغرمون ) لمعذبون ، قال الأعشى :
إن يعاقب يكن غراما وإن يعد * ؟ جزيلا فإنه لا يبالي ( 2 )
أي يكن عقابه عذابا ملحا كالحاح الغريم . وقال الراجز :
يوم النسار ويوم الجفار * كانا عذابا وكانا غراما ( 3 ) .
أي ملحا كالحاح الغريم ، وحذف يقولون إنا لمغرمون ، لدلالة الحكاية .
هامش
( 1 ) سورة 25 الفرقان آية 65
( 2 ) مر في 7 / 505 .
( 3 ) مر في 7 / 505 .