إلى نفوسهم لعجزهم عن ذلك ، فلا بد من الاعتراف بأن الله هو الخالق لذلك ، وإذا
ثبت انه قادر على خلق الولد من النطفة وجب أن يكون قادرا على اعادته بعد موته
لأنه مثله ، وليس بأبعد منه ، يقال : أمنى يمني ، ومنى يمني ، بمعنى واحد ، وكذلك
أمذى ، ومذي - في قول الفراء .
وقوله تعالى ( نحن قدرنا بينكم الموت ) فالتقدير ترتيب الأمور على مقدار
فالله تعالى أجرى الموت بين العباد على مقدار ما تقتضيه الحكمة ، فإنما أجراه الحكيم
على ذلك المقدار .
وقوله ( وما نحن بمسبوقين ) أي لسنا بمسبوقين في تدبيرنا ، لأن الأمور
كلها في مقدور الله وسلطانه على ما يصح ويجوز فيما مكن منه أو اعجز عنه . وقال
مجاهد : تقدير الموت بالتعجيل لقوم والتأخير لغيرهم . وقيل ( نحن قدرنا بينكم
الموت ) بأن كتبناه على مقدار ، لا زيادة فيه ولا نقصان . ويقال : قدرت الشئ
مخففا ، وقدرته مثقلا بمعنى واحد .
وقوله ( على أن نبدل أمثالكم ) فالتبديل جعل الشئ موضع غيره ، فتبديل
الحكمة بالحكمة صواب وتبديل الحكمة بخلافها خطأ وسفه ، فعلى هذا ينشئ الله قوما
بعد قوم ، لان المصلحة تقتضي ذلك ، والحكمة توجب إنشاءهم في وقت وإماتتهم في وقت
آخر . وانشاؤهم بعد ذلك للحساب والثواب والعقاب . وقيل : إن معنى ( على
أن نبدل ) التبدل أي لنبدل أمثالكم ، وبين ( على ) و ( اللام ) فرق ، لأنه يجوز
أن يقال : عمله على قبحه ، ولا يجوز عمله لقبحه . وتعليم الاستدلال بالنشأة الأولى
على النشأة الثانية فيه تعليم القياس .
وقوله ( وننشئكم فيما لا تعلمون ) معناه فيما لا تعلمون من الهيئات والصور
المختلفة ، لان المؤمن يخلق على أحسن صورة ، والكافر على أقبح صورة . وقيل :
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 503
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٥٠٣