استواء حال الناس في الظاهر لم يكن بعضهم أحق عندهم بانزال الوحي عليه من
بعض . وقد وصفوا أنفسهم أن حاله مساوية لأحوالهم فجاء من هذا ألا يكون
أحق بالوحي الذي ينزل عليه منهم ، واغفلوا أن الله اعلم بمصالح عباده ومن يصلح
للقيام برسالته ممن لا يصلح .
ثم حكى ما قالوه في صالح ، فإنهم قالوا ( بل هو كذاب ) في دعواه أنه نبي
أوحى الله إليه ( أشر ) أي بطر ، فالأشر البطر الذي لا يبالي ما قال . وقيل : هو
المرح الطالب للفخر وعظم الشأن ، يقال : أشر يأشر أشرا كقولك : بطر يبطر بطرا
وأشر واشر مثل حذر وحذر ، وعجل وعجل وفطن وفطن ونحس ونحس . فقال :
الله تعالى على وجه التهديد لهم ( ستعلمون غدا من الكذاب الأشر ) وقرأ أبو قلابة
( الكذاب الأشر ) وهذا ضعيف ، لأنهم يقولون : هذا خير من ذا وشر من ذا ،
ولا يقال : أشر ، ولا أخير إلا في لغة ردية . ومن قرأ ( ستعلمون ) بالتاء
على وجه الخطاب إليهم أي قل لهم ، وهي قراءة ابن عامر وحمزة وحفص عن
عاصم . ومن قرأ بالياء فعلى وجه الاخبار عن الغائب وهي قراءة الباقين ، لان
الكذاب الأشر يوم القيامة يعاقبه الله بعذاب النار ، فيعلم حينئذ أي الفريقين هم .
وقرب الله تعالى القيامة كقرب غد من اليوم . والفرق بين قوله ( ستعلمون غدا
من الكذاب ) وبين قوله لو قال ( ستعلمون غدا الكذاب الأشر ) أن الأول يفيد
فريقين التبس الكذب بكل واحد منهما فيأتي العلم مزيلا لذلك الالتباس وليس
كذلك الثاني .
ثم بين تعالى أنه ارسل الناقة وبعثها بأن أنشأها معجز لصالح ، لأنه أخرجها
من الجبل الأصم يتبعها ولدها . وقوله ( فتنة لهم ) نصب ( فتنة ) على أنه مفعول
له . ومعنى ذلك ابتلاء لهم ومحنة ، لأنه تعالى نهاهم ان ينالوها بسوء مع تضيق الشرب
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 453
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٤٥٣