ثم اخبره عن فرعون وقومه ب ( إنهم جند مغرقون ) أي سيغرقهم الله .
وفي الكلام حذف ، لان تقديره ان موسى سار بقومه وتبعه فرعون وجنده وأن
الله أهلكهم وغرقهم .
ثم اخبر عن حالهم بأن قال ( كم تركوا من جنات ) يعني من بساتين
لهم تركوها لم تنفعهم حين نزل بهم عذاب الله ( وعيون ) جارية لم تدفع عنهم
عقاب الله ( وزروع جمع زرع ومقام كريم ) قيل : هو المجلس الشريف . وقيل :
مقام الملوك والامراء والحكماء . وقيل : المنازل الحسنة . وقال قتادة : يعني مقام
حسن بهج . وقال مجاهد وسعيد بن جبير : هي المناظر . وقيل : المنابر . وقيل :
المقام الكريم هو الذي يعطي اللذة ، كما يعطي الرجل الكريم الصلة ( ونعمة كانوا
فيها فاكهين ) ، فالنعمة - بفتح النون - التنعيم - وبكسرها - منفعة يستحق بها
الشكر ، وإن كانت مشقة ، لان التكليف نعمة وإن كانت فيه مشقة . ومعنى الآية
انهم كانوا متمتعين . فالفاكه المتمتع بها بضروب اللذة ، كما يتمتع الآكل بضروب
الفاكة ، يقال : فكه يفكه فكها ، فهو فاكه ، وفكه وتفكه يتفكه تفكها ، فهو متفكه .
وقوله ( كذلك وأورثناها قوما آخرين ) فتوريثه النعمة إلى الثاني بعد
الأول بغير مشقة كما يصير الميراث إلى أهله على تلك الصفة ، وتوريث العلم شبه
بذلك ، لان الأول تعب في استخراجه وتوطئة الدلالة المؤدية إليه ، ووصل إلى
الثاني وهو رافه وادع ، لم يكل لطول الفكر وشدة طالب العلم ، فلما كانت نعمة قوم
فرعون وصلت بعد هلاكهم إلى غيرهم ، كان ذلك توريثا من الله لهم . قال قتادة :
يعني بقوم آخرين بني إسرائيل ، لان بني إسرائيل رجعوا إلى مصر بعد هلاك
فرعون على ما قيل ، وكذلك قال في موضع آخر ( وأورثناها بني إسرائيل ) ( 1 ) .
هامش
( 1 ) سورة 26 الشعراء آية 60