الغضب . ثم بين تعالى بماذا انتقم منهم ، فقال " فأغرقناهم أجمعين " ثم قال
" فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين " فالسلف المتقدم على غيره قبل مجيئ وقته ، ومنه
السلف في البيع . والسلف نقيض الخلف . ومن قرأ - بضم السين واللام - فهو
جمع سليف من الناس ، وهو المتقدم أمام القوم . وقيل : معناه " جعلناهم سلفا "
متقدمين ليتعظ بهم الآخرون . وقال قتادة : جعلناهم سلفا إلى النار ومثلا أي
عظة للآخرين . والمثل بيان عن أن حال الثاني كحال الأول بما قد صار في الشهرة
كالعلم ، فحال هؤلاء المشركين كحال من تقدم في الاشراك بما يقتضي أن يجروا
مجراهم في الاهلاك إن أقاموا على الطغيان .
ثم قال الله تعالى " ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون "
قيل : المراد بذلك لما ضرب الله المسيح مثلا بآدم في قوله " إن مثل عيسى عند
الله كمثل آدم " ( 1 ) اعترض على النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك قوم من كفار قريش ، فأنزل
الله تعالى هذه الآية . ووجه الاحتجاج في شبه المسيح بآدم ان الذي قدر أن
ينشئ آدم من غير ذكر قادر على إنشاء المسيح من غير ذكر ، فلا وجه لاستنكاره
من هذا الوجه . وقيل : إنه لما ذكر المسيح بالبراءة من الفاحشة وانه كآدم في
الخاصة ، قالوا : هذا يقتضي ان نعبده كما عبده النصارى . وقيل : انه لما نزل
قوله " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " ( 2 ) قالوا قد رضينا أن
يكون آلهتنا مع المسيح . وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال يوما لعلي عليه السلام ( لولا أني
أخاف ان يقال فيك ما قالت النصارى في عيسى لقلت فيك قولا لا تمر بملاء إلا
اخذوا التراب من تحت قدميك ) انكر ذلك جماعة من المنافقين ، وقالوا : لم برض
هامش
( 1 ) سورة 3 آل عمران آية 59
( 2 ) سوره 21 الأنبياء آية 98 .